الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىَ "
) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾( 2 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِالنَّجْمِ : الثُّرَيَّا ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ إِذَا هَوَى : إِذَا سَقَطَ ، قَالُوا : تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَالثُّرَيَّا إِذَا سَقَطَتْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ قَالَ : إِذَا سَقَطَتِ الثُّرَيَّا مَعَ الْفَجْرِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ .
قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ قَالَ : الثُّرَيَّا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ قَالَ : سُقُوطُ الثُّرَيَّا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ قَالَ : إِذَا انْصَبَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَالْقُرْآنِ إِذَا نَزَلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَّانِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ : ثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ قَالَ : الْقُرْآنُ إِذَا نَزَلَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ قَالَ : قَالَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ : كَفَرْتُ بِرَبِّ النَّجْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا تَخَافُ أَنْ يَأْكُلَكَ كَلْبُ اللَّهِ قَالَ : فَخَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ عَرَّسُوا ، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ الْأَسَدِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ إِنِّي مَأْكُولٌ ، فَأَحْدَقُوا بِهِ ، وَضُرِبَ عَلَى أَصْمِخَتِهِمْ فَنَامُوا ، فَجَاءَ حَتَّى أَخَذَهُ ، فَمَا سَمِعُوا إِلَّا صَوْتَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ قَالَ : ثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ فَقَالَ ابْنٌ لِأَبِي لَهَبٍ حَسِبْتُهُ قَالَ : اسْمُهُ عُتْبَةُ : كَفَرْتُ بِرَبِّ النَّجْمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : احْذَرْ لَا يَأْكُلْكَ كَلْبُ اللَّهِ ; قَالَ : فَضَرَبَ هَامَتَهُ .
قَالَ : وَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَا تَخَافُ أَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْكَ كَلْبَهُ؟ فَخَرَجَ ابْنُ أَبِي لَهَبٍ مَعَ نَاسٍ فَى سَفَرٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ سَمِعُوا صَوْتَ الْأَسَدِ . فَقَالَ : مَا هُوَ إِلَّا يُرِيدُنِي ، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ وَجَعَلُوهُ فِي وَسَطِهِمْ ، حَتَّى إِذَا نَامُوا جَاءَ الْأَسَدُ فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : عَنَى بِقَوْلِهِ : ( وَالنَّجْمِ ) وَالنُّجُومِ .
وَقَالَ : ذَهَبَ إِلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى الْجَمِيعُ ، وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ رَاعِي الْإِبِلِ : فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٌ بِأيْدِي الْآكِلِينَ جُمُودُهَا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِالنَّجْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الثُّرَيَّا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَدْعُوهَا النَّجْمَ ، وَالْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ ، فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا حَادَ صَاحِبُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَنِ الْحَقِّ وَلَا زَالَ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَدَادٍ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ وَمَا غَوَى : وَمَا صَارَ غَوِيًّا ، وَلَكِنَّهُ رَشِيدٌ سَدِيدٌ ; يُقَالُ : غَوَى يَغْوِي مِنَ الْغَيِّ ، وَهُوَ غَاوٍ ، وَغَوِيٌّ يَغْوَى مِنَ اللَّبَنِ إِذَا بَشِمَ .
وَقَوْلُهُ : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ جَوَابُ قِسْمِ وَالنَّجْمِ .