الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى "
) ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ﴾( 34 ) ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ﴾( 35 ) ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ﴾( 36 ) ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾( 37 ) ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾( 38 ) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ﴾( 39 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَفَرَأَيْتَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِي أَدْبَرَ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَنْ دِينِهِ ، وَأَعْطَى صَاحِبَهُ قَلِيلًا مِنْ مَالِهِ ، ثُمَّ مَنَعَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ ، فَبَخِلَ عَلَيْهِ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَاتَبَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ قَدِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى دِينِهِ ، فَضَمِنَ لَهُ الَّذِي عَاتَبَهُ إِنْ هُوَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى شِرْكِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ الْآخِرَةِ ، فَفَعَلَ ، فَأَعْطَى الَّذِي عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضَ مَا كَانَ ضَمِنَ لَهُ ، ثُمَّ بَخِلَ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ تَمَامَ مَا ضَمِنَ لَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( وَأَكْدَى ) قَالَ : الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ أَكْدَى .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴾. إِلَى قَوْلِهِ فَهُوَ يَرَى قَالَ : هَذَا رَجُلٌ أَسْلَمَ ، فَلَقِيَهُ بَعْضُ مَنْ يُعَيِّرُهُ فَقَالَ : أَتَرَكْتَ دِينَ الْأَشْيَاخِ وَضَلَّلَتْهُمْ ، وَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ ، كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْصُرَهُمْ ، فَكَيْفَ يُفْعَلُ بِآبَائِكَ ، فَقَالَ : إِنِّي خَشِيتُ عَذَابَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَعْطِنِي شَيْئًا ، وَأَنَا أَحْمِلُ كُلَّ عَذَابٍ كَانَ عَلَيْكَ عَنْكَ ، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا ، فَقَالَ : زِدْنِي ، فَتَعَاسَرَ حَتَّى أَعْطَاهُ شَيْئًا ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا ، وَأَشْهَدَ لَهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ٣٣ وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ﴾ عَاسَرَهُ ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ﴾ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ( أَكْدَى ) قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ) قَالَ : أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ٣٣ وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ﴾ يَقُولُ : أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ﴾ قَالَ : انْقَطَعَ فَلَا يُعْطِي شَيْئًا ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْبِئْرِ يُقَالُ لَهَا أَكْدَتْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( وَأَكْدَى ) : انْقَطَعَ عَطَاؤُهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَكْدَى ) قَالَ : أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ . قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ قَالَ : ثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَثَلَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَأَكْدَى ) أَيْ بَخِلَ وَانْقَطَعَ عَطَاؤُهُ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ( وَأَكْدَى ) يَقُولُ : انْقَطَعَ عَطَاؤُهُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ( وَأَكْدَى ) عَاسَرَهُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : حَفَرَ فُلَانٌ فَأَكْدَى ، وَذَلِكَ إِذَا بَلَغَ الْكُدْيَةَ ، وَهُوَ أَنْ يَحْفُرَ الرَّجُلُ فِي السَّهْلِ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهُ جَبَلٌ فَيُكْدِي ، يُقَالُ : قَدْ أَكْدَى كَدَاءً ، وَكَدِيَتْ أَظْفَارُهُ وَأَصَابِعُهُ كَدْيًا شَدِيدًا ، مَنْقُوصٌ ، إِذَا غَلُظَتْ ، وَكَدِيَتْ أَصَابِعُهُ : إِذَا كَلَّتْ فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا ، وَكَدَا النَّبْتُ إِذَا قَلَّ رِيعُهُ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ : اشْتَقَّ قَوْلَهُ : أَكْدَى ، مِنْ كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ ، وَهُوَ أَنْ يَحْفُرَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْمَاءِ ، فَيُقَالُ حِينَئِذٍ بَلَغْنَا كُدْيَتَهَا . وَقَوْلُهُ ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَعِنْدَ هَذَا الَّذِي ضَمِنَ لَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ عِلْمُ الْغَيْبِ ، فَهُوَ يَرَى حَقِيقَةَ قَوْلِهِ ، وَوَفَائِهِ بِمَا وَعَدَهُ . وَقَوْلُهُ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَمْ لَمْ يُخْبَرْ هَذَا الْمَضْمُونُ لَهُ ، أَنْ يُتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ ، بِالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَوْلُهُ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ يَقُولُ : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَا أُرْسِلَ بِهِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الَّذِي وَفَّى ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَفَاؤُهُ بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ رَبُّهُ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ ، وَهُوَ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : كَانُوا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ يَأْخُذُونَ الْوَلِيَّ بِالْوَلِيِّ ، حَتَّى كَانَ إِبْرَاهِيمُ ، فَبَلَّغَ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالُوا : بَلَّغَ هَذِهِ الْآيَاتِ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾. حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : وَفَّى طَاعَةَ اللَّهِ ، وَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ إِلَى خَلْقِهِ . وَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ : وَفَّى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾.
حَتَّى بَلَغَ ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ وَفَّى طَاعَةَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ إِلَى خَلْقِهِ . حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : بَلَّغَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : وَفَّى : بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ ، بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ ، كَمَا يُبَلِّغُ الرَّجُلُ مَا أُرْسِلَ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ وَفَّى بِمَا رَأَى فِي الْمَنَامِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ ، وَقَالُوا : قَوْلُهُ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَامِ : ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ﴾﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾، وَبِمَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ٣٦ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ يَقُولُ : إِبْرَاهِيمُ الَّذِي اسْتَكْمَلَ الطَّاعَةَ فِيمَا فَعَلَ بِابْنِهِ حِينَ رَأَى الرُّؤْيَا ، وَالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾. إِلَى آخَرِ الْآيَةِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ ، عَنِ الْقُرَظِيِّ ، وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : وَفَّى بِذَبْحِ ابْنِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ وَفَّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ قَالَ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : ثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْإِسْلَامُ ثَلَاثُونَ سَهْمًا . وَمَا ابْتُلِيَ بِهَذَا الدِّينِ أَحَدٌ فَأَقَامَهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ .
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : وَفَّى بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَبَرِ الَّذِي حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ وَفَّى رَبَّهُ عَمَلَ يَوْمِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا وَفَّى ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : وَفَّى جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ وَفَّى فَعَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ تَوَفِيَتِهِ جَمِيعَ الطَّاعَةِ ، وَلَمْ يُخَصَّصْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَفَّى ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ ، لَا مِمَّا خُصَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ أَنَّهُ وَفَّى .
وَأَمَّا التَّوْفِيَةُ فَإِنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَوْ صَحَّ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَمْ نَعْدُ الْقَوْلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِمَا نَظَرٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِمَا مِنْ أَجْلِهِ . وَقَوْلُهُ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ فَإِنَّ مِنْ قَوْلِهِ ( أَلَّا تَزِرُ ) عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ غَيْرِهَا ، بَلْ كُلُّ آثِمَةٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهَا عَلَيْهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ٣٨ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ﴾ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى قَالَ : هَذَا فِي ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾. وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ الَّذِي ضَمِنَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ : أَلَمْ يُخْبَرْ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَضَامِنُ هَذَا الضَّمَانِ بِالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ مَكْتُوبٌ : أَنْ لَا تَأْثَمُ آثِمَةٌ إِثْمَ أُخْرَى غَيْرِهَا ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوُ لَمْ يُنَبَّأْ أَنَّهُ لَا يُجَازَى عَامِلٌ إِلَّا بِعَمَلِهِ ، خَيْرًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ شَرًّا .
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ﴾ ، وَقَرَأَ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ قَالَ : أَعْمَالُكُمْ . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ﴾ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فَأَدْخَلَ الْأَبْنَاءَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ الْجَنَّةَ .