حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى "

) ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى ( 56 ) أَزِفَتِ الآزِفَةُ ( 57 ) ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ( 58 ) يَقُولُ : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَبِأَيِّ نَعْمَاتِ رَبِّكَ يَا ابْنَ آدَمَ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكَ تَرْتَابُ وَتَشُكُّ وَتُجَادِلُ ، وَالْآلَاءُ : جَمْعُ إِلًى . وَفِي وَاحِدِهَا لُغَاتٌ ثَلَاثَةٌ : إِلَى عَلَى مِثَال عِلَى ، وَإِلْيٌ عَلَى مِثَالِ عِلْيٌ ، وَأَلًى عَلَى مِثَالِ عَلًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى يَقُولُ : فَبِأَيِّ نِعَمِ اللَّهِ تَتَمَارَى يَا ابْنَ آدَمَ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى قَالَ : بِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكَ تَتَمَارَى . وَقَوْلُهُ : ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى وَوَصْفِهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ مِنَ النُّذُرِ الْأَوْلَى وَهُوَ آخِرُهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ نَذِيرٌ لِقَوْمِهِ ، وَكَانَتِ النُّذُرُ الَّذِينَ قَبِلَهُ نُذُرًا لِقَوْمِهِمْ ، كَمَا يُقَالُ : هَذَا وَاحِدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَوَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى قَالَ : أَنْذَرَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَنْذَرَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى إِنَّمَا بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا بَعَثَ الرُّسُلَ قَبْلَهُ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى قَالَ : هُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ هَذَا كُلِّهِ ، وَقَالُوا : مَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَنِّي أَوْقَعْتُهَا بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ النُّذُرِ الَّتِي أَنْذَرْتُهَا الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ فِي ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ . قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى قَالَ : مِمَّا أَنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهُمْ فِي ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى .

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْآيَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا فِي ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى الَّتِي جَاءَتِ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ كَمَا جَاءَتْكُمْ ، فَقَوْلُهُ ( هَذَا ) بِأَنْ تَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى وَأَشْبَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ أَزِفَتِ الآزِفَةُ يَقُولُ : دَنَتِ الدَّانِيَةُ : وَإِنَّمَا يَعْنِي : دَنَتِ الْقِيَامَةُ الْقَرِيبَةُ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ يُقَالُ مِنْهُ : أَزِفَ رَحِيلُ فُلَانٍ . إِذَا دَنَا وَقَرُبَ ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنَى ذُبْيَانَ : أَزِفَ التَّرُحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا لَمَّا تَزَلْ بِرَحَالِنَا وَكَأَنَّ قَدٍ وَكَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ : بَانَ الشَّبَابُ وَأَمْسَى الشَّيْبُ قَدْ أَزِفَا وَلَا أَرَى لِشَبَابٍ ذَاهِبٍ خَلَفَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَزِفَتِ الآزِفَةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عَظَّمَهُ اللَّهُ ، وَحَذَّرَهُ عِبَادَهُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَا : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ أَزِفَتِ الآزِفَةُ قَالَ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : أَزِفَتِ الآزِفَةُ قَالَ : السَّاعَةُ .

﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَيْسَ لِلْآزِفَةِ الَّتِي قَدْ أَزِفَتْ ، وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفٌ ، يَقُولُ : لَيْسَ تَنْكَشِفُ فَتَقُومُ إِلَّا بِإِقَامَةِ اللَّهِ إِيَّاهَا ، وَكَشْفِهَا دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِعَ عَلَيْهَا مَلَكًا مُقَرَّبًا ، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا . وَقِيلَ : كَاشِفَةٌ ، فَأُنِّثَتْ ، وَهِيَ بِمَعْنَى الِانْكِشَافِ ; كَمَا قِيلَ : ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ بِمَعْنَى : فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَقَاءٍ ; وَكَمَا قِيلَ : الْعَاقِبَةُ وَمَا لَهُ مِنْ نَاهِيَةٍ ، وَكَمَا قِيلَ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ بِمَعْنَى تَكْذِيبٍ ، وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ بِمَعْنَى خِيَانَةٍ .

موقع حَـدِيث