الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ "
) ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴾( 26 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبَرًا عَنْ قِيلِ مُكَذِّبِي رَسُولِهِ صَالِحٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَوْمِهِ ثَمُودَ : أَءُلْقِيَ عَلَيْهِ الذَّكَرُ مِنْ بَيْنِنَا ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ : أُنْزِلَ الْوَحْيُ وَخُصَّ بِالنُّبُوَّةِ مِنْ بَيْنِنَا وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَّا ، إِنْكَارًا مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُرْسِلُ رَسُولًا مِنْ بَنِي آدَمَ . وَقَوْلُهُ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ يَقُولُ : قَالُوا : مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ، يَعْنُونَ بِالْأَشِرِ : الْمَرِحِ ذَا التَّجَبُّرِ وَالْكِبْرِيَاءِ ، وَالْمَرِحُ مِنَ النَّشَاطِ . وَقَدْ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ : مَا الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يُبَالِي مَا قَالَ ، وَبِكَسْرِ الشِّينِ مِنَ الْأَشِرِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ قَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ .
وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ : كَذَّابٌ أَشُرٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، وَذَلِكَ فِي الْكَلَامِ نَظِيرُ الْحَذِرِ وَالْحَذُرِ وَالْعَجِلِ وَالْعَجُلِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : سَتَعْلَمُونَ غَدًا فِي الْقِيَامَةِ مِنَ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ مِنْكُمْ مَعْشَرَ ثَمُودَ ، وَمِنْ رَسُولِنَا صَالِحٍ حِينَ تَرِدُونَ عَلَى رَبِّكُمْ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ تَأْوِيلُ مَنْ قَرَأَهُ ( سَتَعْلَمُونَ ) بِالتَّاءِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ سِوَى عَاصِمٍ وَالْكِسَائِيِّ .
أَمَّا تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَاصِمٍ وَالْكِسَائِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ اللَّهُ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴾ وَتَرَكَ مِنَ الْكَلَامِ ذِكْرَ قَالَ اللَّهُ ، اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا ، وَصِحَّتِهِمَا فِي الْإِعْرَابِ وَالتَّأْوِيلِ .