الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ "
) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الإِنْسَانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ( 1 ) ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾( 5 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الرَّحْمَنُ أَيُّهَا النَّاسُ بِرَحْمَتِهِ إِيَّاكُمْ عَلَّمَكُمُ الْقُرْآنَ . فَأَنْعَمَ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، إِذْ بَصَّرَكُمْ بِهِ مَا فِيهِ رِضَا رَبِّكُمْ ، وَعَرَّفَكُمْ مَا فِيهِ سَخَطُهُ ؛ لِتُطِيعُوهُ بِاتِّبَاعِكُمْ مَا يُرْضِيهِ عَنْكُمْ ، وَعَمَلِكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَبِتَجَنُّبِكُمْ مَا يُسْخِطُهُ عَلَيْكُمْ ، فَتَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ جَزِيلَ ثَوَابِهِ ، وَتَنْجُوا مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ الْعِجْلِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : فِي تَفْسِيرِ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قَالَ : نِعْمَةٌ - وَاللَّهِ - عَظِيمَةٌ .
وَقَوْلُهُ : خَلَقَ الإِنْسَانَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : خَلَقَ آدَمَ وَهُوَ الْإِنْسَانُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : خَلَقَ الإِنْسَانَ قَالَ : الْإِنْسَانُ آدَمُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ خَلَقَ الإِنْسَانَ قَالَ الْإِنْسَانُ : آدَمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا وَحَّدَ فِي اللَّفْظِ لِأَدَائِهِ عَنْ جِنْسِهِ ، كَمَا قِيلَ : ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾. وَالْقَوْلَانِ كِلَاهُمَا غَيْرُ بَعِيدَيْنِ مِنَ الصَّوَابِ لِاحْتِمَالِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ إِيَّاهُمَا . وَقَوْلُهُ : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : عَلَّمَ الْإِنْسَانَ الْبَيَانَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْبَيَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهِ بَيَانَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ : عَلَّمَهُ اللَّهُ بَيَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيَّنَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ ؛ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ قَالَ : تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ ، وَمَا يَأْتِي وَمَا يَدَعُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهِ الْكَلَامَ : أَيْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ الْبَيَانَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ قَالَ : الْبَيَانُ : الْكَلَامُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَالْمَعَايِشِ وَالْمَنْطِقِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَمْ يُخَصِّصْ بِخَبَرِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ مِنَ الْبَيَانِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، بَلْ عَمَّ فَقَالَ : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ، فَهُوَ كَمَا عَمَّ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - . وَقَوْلُهُ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾، وَمُنَازِلَ لَهَا يَجْرِيَانِ وَلَا يَعْدُوَانِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : ثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ قَالَ : قَالَ : ثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ يُرْسَلَانِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : يَجْرِيَانِ بِعَدَدٍ وَحِسَابٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ : أَيْ بِحِسَابٍ وَأَجَلٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : يَجْرِيَانِ فِي حِسَابٍ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : يُحْسَبُ بِهِمَا الدَّهْرُ وَالزَّمَانُ ، لَوْلَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا لَوْ كَانَ الدَّهْرُ لَيْلًا كُلُّهُ كَيْفَ يُحْسَبُ ؟ ! أَوْ نَهَارًا كُلُّهُ كَيْفَ يُحْسَبُ ؟ ! . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : بِحِسَابٍ وَأَجَلٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ بِقَدَرٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ قَالَ : بِقَدَرٍ يَجْرِيَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا يَدُورَانِ فِي مِثْلِ قُطْبِ الرَّحَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ قَالَ : ثَنَا أَبُو يَحْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( بِحُسْبَانٍ ) قَالَ : كَحُسْبَانِ الرَّحَا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ( بِحُسْبَانٍ ) قَالَ : كَحُسْبَانِ الرَّحَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ ؛ لِأَنَّ الْحُسْبَانَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : حَسَبْتُهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ : كَفَرْتُهُ كُفْرَانًا ، وَغَفَرْتُهُ غُفْرَانًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ جَمْعُ حِسَابٍ ، كَمَا الشُّهْبَانُ : جَمْعُ شِهَابٍ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِيمَا رُفِعَ بِهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : رُفِعَا بِحُسْبَانٍ : أَيْ بِحِسَابٍ ، وَأُضْمِرَ الْخَبَرُ . وَقَالَ : وَأَظُنُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ قَالَ : يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُمْ : هَذَا غَلَطٌ ، بِحُسْبَانٍ يُرَافِعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَيْ : هُمَا بِحِسَابٍ .
قَالَ : وَالْبَيَانُ يَأْتِي عَلَى هَذَا : عَلَّمَهُ الْبَيَانَ أَنَّ ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِحُسْبَانٍ ﴾. قَالَ : فَلَا يُحْذَفُ الْفِعْلُ وَيُضْمَرُ إِلَّا شَاذًّا فِي الْكَلَامِ .