الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ "
) ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾( 40 ) ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ﴾( 41 ) ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾( 42 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَيَوْمَئِذٍ لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ الْمُجْرِمِينَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَفِظَهَا عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ عَنْ ذُنُوبِ بَعْضٍ رَبَّهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَلَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قَالَ : حَفِظَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قَالَ : كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ : لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ﴾ قَالَ : قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْقَوْمِ ، فَتَتَكَلَّمُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
وَقَوْلُهُ : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ مِنْ عَدْلِهِ فِيكُمْ ، أَنَّهُ لَمْ يُعَاقِبْ مِنْكُمْ إِلَّا مُجْرِمًا . وَقَوْلُهُ : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - تَعْرِفُ الْمَلَائِكَةُ الْمُجْرِمِينَ بِعَلَامَاتِهِمْ وَسِيمَاهُمُ الَّتِي يَسُومُهُمُ اللَّهُ بِهَا مِنَ اسْوِدَادِ الْوُجُوهِ ، وَازْرِقَاقِ الْعُيُونِ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ قَالَ : يُعْرَفُونَ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ ، وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ قَالَ : زُرْقُ الْعُيُونِ ، سُودُ الْوُجُوهِ . وَقَوْلُهُ : فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَتَأْخُذُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِنَوَاصِيهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ فَتَسْحَبُهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ ، وَتَقْذِفُهُمْ فِيهَا ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَا مِنْ تَعْرِيفِهِ مَلَائِكَتَهُ أَهْلَ الْإِجْرَامِ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ مِنْكُمْ ، حَتَّى خَصُّوا بِالْإِذْلَالِ وَالْإِهَانَةِ الْمُجْرِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ .