الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ "
) ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾( 69 ) ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾( 70 ) ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾( 71 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَفِي هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ الْمُدْهَامَّتَيْنِ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُعِيدَ ذِكْرُ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلُ أَنَّ فِيهِمَا الْفَاكِهَةَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُعِيدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ لَيْسَا مِنَ الْفَاكِهَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا مِنَ الْفَاكِهَةِ .
وَقَالُوا : قُلْنَا هُمَا مِنَ الْفَاكِهَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُهُمَا مِنَ الْفَاكِهَةِ . قَالُوا : فَإِنْ قِيلَ لَنَا : فَكَيْفَ أُعِيدَا وَقَدْ مَضَى ذَكَرُهُمَا مَعَ ذِكْرِ سَائِرِ الْفَوَاكِهِ ؟ قُلْنَا : ذَلِكَ كَقَوْلِهِ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ ، ثُمَّ أَعَادَ الْعَصْرَ تَشْدِيدًا لَهَا ، كَذَلِكَ أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ تَرْغِيبًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ . وَقَالَ : وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ فِي قَوْلِهِ : مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : نَخْلُ الْجَنَّةِ جُذُوعُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَعُرُوقُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَكَرَانِيفُهَا مِنْ زُمُرُّدٍ ، وَسَعَفُهَا كُسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَرُطَبُهَا كَالدِّلَاءِ ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، لَيْسَ لَهُ عَجَمٌ . قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ وَهْبٍ الذِّمَارِيِّ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ فِي الْجَنَّةِ نَخْلًا جُذُوعُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَكَرَانِيفُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَجَرِيدُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَسَعَفُهَا كُسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، كَأَحْسَنِ حُلَلٍ رَآهَا النَّاسُ قَطُّ ، وَشَمَارِيخُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَعَرَاجِينُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَثَفَارِيقُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَرُطَبُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ . وَقَوْلُهُ : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ يَقُولُ : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .
يَقُولُ : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ - بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ الَّتِي أَكْرَمَ بِهَا مُحْسِنَكُمْ - تُكَذِّبَانِ . وَقَوْلُهُ : ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فِي هَذِهِ الْجِنَانِ الْأَرْبَعِ - اللَّوَاتِي اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ لِمَنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ ، وَالْأُخْرَيَانِ مِنْهُنَّ مِنْ دُونِهِمَا الْمُدْهَامَّتَانِ - خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ ، حِسَانُ الْوُجُوهِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ يَقُولُ : فِي هَذِهِ الْجِنَانِ خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ ، حِسَانُ الْوُجُوهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : خَيْرَاتٌ حِسَانٌ قَالَ : خَيْرَاتٌ فِي الْأَخْلَاقِ ، حِسَانٌ فِي الْوُجُوهِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قَالَ : الْخَيْرَاتُ الْحِسَانُ : الْحُورُ الْعِينُ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قَالَ : خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ ، حِسَانُ الْوُجُوهِ .
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قَالَ : فِي كُلِّ خَيْمَةٍ زَوْجَةٌ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الصَّدَفِيُّ الدِّمْيَاطِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ : ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قَالَ : خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ ، حِسَانُ الْوُجُوهِ . قَوْلُهُ : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ يَقُولُ : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمَا - بِمَا ذَكَرَ - تُكَذِّبَانِ .