الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا . . . "
) يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ لِنِسَائِهِمْ : أَنْتُنَّ عَلَيْنَا كَظُهُورِ أُمَّهَاتِنَا . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى الْعَوْدِ لِمَا قَالَ الْمَظَاهِرُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الرُّجُوعُ فِي تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ حَلَالًا قَبْلَ تَظَاهُرِهِ ، فَيُحِلُّهَا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا عَلَى نَفْسِهِ بِعَزْمِهِ عَلَى غِشْيَانِهَا وَوَطْئِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا قَالَ : يُرِيدُ أَنْ يَغْشَى بَعْدَ قَوْلِهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا قَالَ : حَرَّمَهَا ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ لَهَا فَيَطَأَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِمْسَاكُهُ إِيَّاهَا بَعْدَ تَظْهِيرِهِ مِنْهَا ، وَتَرْكِهِ فِرَاقَهَا عَوْدٌ مِنْهُ لِمَا قَالَ ، عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ لَمْ يَعْزِمْ .
وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ يَقُولُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لِمَا قَالُوا ) : فِيمَا قَالُوا . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا : أَيْ يَرْجِعُ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ ، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا : إِنَّا لَا نَفْعَلُهُ فَيَفْعَلُونَهُ .
هَذَا الظِّهَارُ يَقُولُ : هِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ ، فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً ، أَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَادَ لِمَا قَدْ قَالَ : هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، يَفْعَلُهُ . وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ كَانَ يَرَى أَنَّ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا يَصْلُحُ فِيهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ : ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى مَا قَالُوا ، وَفِيمَا قَالُوا ، يُرِيدُونَ النِّكَاحَ ، يُرِيدُ : يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا ، وَفِي نَقْضِ مَا قَالُوا .
قَالَ : وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ تَقُولَ : إِنْ عَادَ لِمَا فَعَلَ ، تُرِيدُ إِنْ فَعَلَ مَرَّةً أُخْرَى ، وَيَجُوزُ إِنْ عَادَ لِمَا فَعَلَ : إِنْ نَقَضَ مَا فَعَلَ ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ : حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَكَ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : حَلَفَ لَا يَضْرِبُكَ ، وَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّكَ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : مَعْنَى اللَّامِ فِي قَوْلِهِ : ( لِمَا قَالُوا ) بِمَعْنَى إِلَى أَوْ فِي ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : ثُمَّ يَعُودُونَ لِنَقْضِ مَا قَالُوا مِنَ التَّحْرِيمِ فَيُحَلِّلُونَهُ ، وَإِنْ قِيلَ مَعْنَاهُ : ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى تَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوا أَوْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوا فَصَوَابٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَوْدٌ لَهُ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : ثُمَّ يَعُودُونَ لِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمْ . وَقَوْلُهُ : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يَقُولُ : فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، يَعْنِي عِتْقَ رَقَبَةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُمَاسَّ الرَّجُلُ الْمَظَاهِرُ امْرَأَتَهُ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ تَمَاسَّهُ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْمَسِيسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَظِيرَ اخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ هُنَالِكَ . وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَالِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَهُوَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ يُحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا وَالْمَسُّ : النِّكَاحُ . فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَإِنْ هُوَ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ فَعَلْتِ كَذَا وَكَذَا ، فَلَيْسَ يَقَعُ فِي ذَلِكَ ظِهَارٌ حَتَّى يَحْنَثَ ، فَإِنْ حَنِثَ فَلَا يَقْرَبْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلَا يَقَعُ فِي الظِّهَارِ طَلَاقٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ : ثَنَا أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَغْشَى الْمَظَاهِرُ دُونَ الْفَرْجِ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : ثَنَا زَيْدٌ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : إِنَّمَا الْمُظَاهَرَةُ عَنِ الْجِمَاعِ . وَلَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ أَوْ فَوْقَ الْفَرْجِ ، أَوْ حَيْثُ يَشَاءُ ، أَوْ يُبَاشِرَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ مَعَانِي الْمَسِيسِ ، وَقَالُوا : الْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ يُونُسَ قَالَ : بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُظَاهِرِ الْمَسِيسَ . وَقَوْلُهُ : ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَوْجَبَ رَبُّكُمْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ عِظَةً لَكُمْ تَتَّعِظُونَ بِهِ ، فَتَنْتَهُونَ عَنِ الظِّهَارِ وَقَوْلِ الزُّورِ .
( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَاللَّهُ بِأَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا - أَيُّهَا النَّاسُ - ذُو خِبْرَةٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا ، فَانْتَهُوا عَنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ .