حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ . . . "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ نِسَاءَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَحْرِيمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ أُمَّهَاتِهِمْ ، فَيَقُولُونَ لَهُنَّ : أَنْتُنَّ عَلَيْنَا كَظُهُورِ أُمَّهَاتِنَا ، وَذَلِكَ كَانَ طَلَاقَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . كَذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : كَانَ الظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، الَّذِي إِذَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدُهُمْ لَمْ يَرْجِعْ فِي امْرَأَتِهِ أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ مَا أَنْزَلَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ سِوَى نَافِعٍ ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ خَلَا عَاصِمٍ : يَظَّاهِرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ ، وَكَذَلِكَ قَرَءُوا الْأُخْرَى بِمَعْنَى يَتَظَاهَرُونَ ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الظَّاءِ فَصَارَتَا ظَاءًا مُشَدَّدَةً .

وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ يَتَظَاهَرُونَ وَذَلِكَ تَصْحِيحٌ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَتَقْوِيَةٌ لَهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَرَأَاهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ يَظَّهَّرُونَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَاصِمٌ ( يُظَاهِرُونَ ) بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ وَضَمِّ الْيَاءِ وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ .

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي . يَظَّاهَرُونَ فَهُوَ مِنْ تَظَاهَرَ ، فَهُوَ يَتَظَاهَرُ . وَأَمَّا يَظَّهَّرُونَ فَهُوَ مِنْ تَظَهَّرَ فَهُوَ يَتَظَهَّرُ ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الظَّاءِ فَقِيلَ : يَظَّهَّرُ .

وَأَمَّا ( يُظَاهِرُونَ ) فَهُوَ مِنْ ظَاهَرَ يُظَاهِرُ ، فَبِأَيَّةِ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ : ( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا نِسَاؤُهُمُ اللَّائِي يُظَاهِرْنَ مِنْهُنَّ بِأُمَّهَاتِهِمْ ، فَيَقُولُوا لَهُنَّ : أَنْتُنَّ عَلَيْنَا كَظَهْرِ أُمَّهَاتِنَا ، بَلْ هُنَّ لَهُمْ حَلَالٌ . وَقَوْلُهُ : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ : لَا اللَّائِي قَالُوا لَهُنَّ ذَلِكَ .

وَقَوْلُهُ : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَإِنَّ الرِّجَالَ لَيَقُولُونَ مُنْكِرًا مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ ، وَزُورًا : يَعْنِي كَذِبًا . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا قَالَ : الزُّورُ : الْكَذِبُ . وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ اللَّهَ لَذُو عَفْوٍ وَصَفْحٍ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ إِذَا تَابُوا مِنْهَا وَأَنَابُوا ، غَفُورٌ لَهُمْ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ .

موقع حَـدِيث