الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَشَقَّ عَلَيْكُمْ وَخَشِيتُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِأَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَاتٍ - الْفَاقَةَ . وَأَصْلُ الْإِشْفَاقِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْخَوْفُ وَالْحَذَرُ ، وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : أَخَشِيتُمْ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ الْفَاقَةَ وَالْفَقْرَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( أَأَشْفَقْتُمْ ) قَالَ : شَقَّ عَلَيْكُمْ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ ، فَقَدْ وُضِعَتْ عَنْكُمْ ، وَأُمِرُوا بِمُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ صَدَقَةٍ حِينَ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ . حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَكِّيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ : فَرِيضَتَانِ وَاجَبَتَانِ لَا رَجْعَةَ لِأَحَدٍ فِيهِمَا ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ الصَّدَقَةِ فِي النَّجْوَى .
وَقَوْلُهُ : فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَإِذْ لَمْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ، وَرَزَقَكُمُ اللَّهُ التَّوْبَةَ مِنْ تَرْكِكُمْ ذَلِكَ ، فَأَدُّوا فَرَائِضَ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْكُمْ ، وَلَمْ يَضَعْهَا عَنْكُمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَاللَّهُ ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهَا .