الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنِ قَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَتَرَى إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوُا الْيَهُودَ وَنَاصَحُوهُمْ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوُا الْيَهُودَ وَنَاصَحُوهُمْ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ تَوَلَّاهُمُ الْمُنَافِقُونَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ قَالَ : هَؤُلَاءِ كَفَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالَّذِينَ تَوَلَّوْهُمُ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوُا الْيَهُودَ . وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى بَلَغَ ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُونَ ، وَقَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا : لَا نَدْعُ حُلَفَاءَنَا وَمُوَالِيَنَا يَكُونُوا مَعًا لِنُصْرَتِنَا وَعِزِّنَا ، وَمَنْ يَدْفَعُ عَنَّا نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ . فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى بَلَغَ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ قَالَ : لَا يَبْرُزُونَ .
وَقَوْلُهُ : مَا هُمْ مِنْكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ - الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - مِنْكُمْ يَعْنِي : مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ ، وَلَا مِنْهُمْ وَلَا هُمْ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ مِنْكُمْ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِأَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ : إِذَا لَقُوا الْيَهُودَ قَالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا : آمَنَّا . وَقَوْلُهُ : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ، وَهُمْ كَاذِبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِهِ ، وَلَا مُؤْمِنِينَ بِهِ . كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ عَاتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَمْرٍ بَلَغَهُ عَنْهُ ، فَحَلَفَ كَذِبًا .
ذِكْرُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ بِذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ يَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطَانٍ ، أَوْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ قَالَ : فَدَخَلَ رَجُلٌ أَزْرَقُ فَقَالَ لَهُ : عَلَامَ تَسُبُّنِي أَوْ تَشْتُمُنِي ؟ . قَالَ : فَجَعَلَ يَحْلِفُ قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمُجَادَلَةِ : ( وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وَالْآيَةُ الْأُخْرَى .