الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . "
) يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا تَجِدُ يَا مُحَمَّدُ قَوْمًا يُصَدِّقُونَ اللَّهَ ، وَيُقِرُّونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَشَاقَّهُمَا وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ يَقُولُ : وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ حَادُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَبِيَّهُ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلِذَلِكَ تَوَلَّوُا الَّذِينَ تَوَلَّوْهُمْ مِنَ الْيَهُودِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا تَجِدُ يَا مُحَمَّدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ : أَيْ مَنْ عَادَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ ، أَوْ أَبْنَاءَهُمْ ، أَوْ إِخْوَانَهُمْ ، أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ، كَتَبَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ : قَضَى لِقُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ ، فَفِي بِمَعْنَى اللَّامِ . وَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ لَهُمْ ، وَذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْقُلُوبِ ، وَكَانَ مَعْلُومًا بِالْخَبَرِ عَنِ الْقُلُوبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُهَا ، اجْتَزَى بِذِكْرِهَا مِنْ ذِكْرِ أَهْلِهَا .
وَقَوْلُهُ : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يَقُولُ : وَقَوَّاهُمْ بِبُرْهَانٍ مِنْهُ وَنُورٍ وَهُدًى وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَقُولُ : وَيُدْخِلُهُمْ بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يَقُولُ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا ( وَرَضُوا عَنْهُ ) فِي الْآخِرَةِ بِإِدْخَالِهِ إِيَّاهُمُ الْجَنَّةَ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ يَقُولُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ جُنْدُ اللَّهِ وَأَوْلِيَاؤُهُ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يَقُولُ : أَلَا إِنَّ جُنْدَ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءَهُ ( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) يَقُولُ : هُمُ الْبَاقُونَ الْمُنْجِحُونَ بِإِدْرَاكِهِمْ مَا طَلَبُوا وَالْتَمَسُوا بِبَيْعَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَطَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ