الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ أَلْوَانِ النَّخْلِ ، أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا . اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى اللِّينَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ جَمِيعُ أَنْوَاعِ النَّخْلِ سِوَى الْعَجْوَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( 5 ) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : النَّخْلَةُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَالَ : اللِّينَةُ : مَا دُونُ الْعَجْوَةِ مِنَ النَّخْلِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فِي قَوْلِهِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : اللِّينَةُ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ مِنَ التَّمْرِ . وَحَدَّثَنَا بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : مِنَ النَّخْلِ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : النَّخْلُ كُلُّهُ مَا خَلَا الْعَجْوَةَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ، وَاللِّينَةُ : مَا خَلَا الْعَجْوَةَ مِنَ النَّخْلِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ : أَلْوَانُ النَّخْلِ كُلُّهَا إِلَّا الْعَجْوَةَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : النَّخْلَةُ دُونَ الْعَجْوَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّخْلُ كُلُّهُ لِينَةٌ ، الْعَجْوَةُ مِنْهُ وَغَيْرُ الْعَجْوَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : النَّخْلَةُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : نَخْلَةٌ . قَالَ : نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ : ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قَالَ : النَّخْلَةُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : اللَّيِّنَةُ : النَّخْلَةُ عَجْوَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا . قَالَ اللَّهُ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : الَّذِي قَطَعُوا مِنْ نَخْلِ النَّضِيرِ حِينَ غَدَرَتِ النَّضِيرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ لَوْنٌ مِنَ النَّخْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : اللِّينَةُ : لَوْنٌ مِنَ النَّخْلِ . وَقَالَ ، آخَرُونَ : هِيَ كِرَامُ النَّخْلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ فِي مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قَالَ : مِنْ كِرَامِ نَخْلِهِمْ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : اللِّينَةُ : النَّخْلَةُ ، وَهُنَّ مِنْ أَلْوَانِ النَّخْلِ مَا لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً ، وَإِيَّاهَا عَنَى ذُو الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ : طِرَاقُ الْخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : اللِّينَةُ مِنَ اللَّوْنِ ، وَاللِّيَانُ فِي الْجَمَاعَةِ وَاحِدُهَا اللِّينَةُ . قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ لِينَةً لِأَنَّهُ فِعْلَةٌ مِنْ فَعْلٍ ، هُوَ اللَّوْنُ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ ، وَلَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا انْقَلَبَتْ إِلَى الْيَاءِ . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَقُولُ : لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَجَمْعُوهُ : اللِّوَانُ لَا اللِّيَانُ .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ يَقُولُ : جَمْعُ اللِّينَةِ لِيَنٌ ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهَا ، قَالَتْ بَنُو النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكَ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ ، فَمَا بَالُكَ تَقْطَعُ نَخْلَنَا وَتُحْرِقُهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَا قَطَعَ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَرَكَ ، فَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ فَعَلَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافٍ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَطْعِهَا وَتَرْكِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : نَزَلَ ذَلِكَ لِقَوْلِ الْيَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ مَا قَالُوا : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ - يَعْنِي بِبَنِي النَّضِيرِ - تَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ النَّخْلِ ، وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا ، فَنَادَوْهُ : يَا مُحَمَّدُ ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : نَزَلَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافٍ كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِهَا : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا . الْآيَةَ ، أَيْ لِيَعِظَهُمْ ، فَقَطَعَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ النَّخْلَ ، وَأَمْسَكَ آخَرُونَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَكُونَ إِفْسَادًا ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ : آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي الْفَسَادِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا قَالَ : نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيُّ ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ . الْآيَةَ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وَقَوْلُهُ : فَبِإِذْنِ اللَّهِ يَقُولُ : فَبِأَمْرِ اللَّهِ قَطَعْتُمْ مَا قَطَعْتُمْ ، وَتَرَكْتُمْ مَا تَرَكْتُمْ ، وَلِيَغِيظَ بِذَلِكَ أَعْدَاءَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فَسَادًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فَبِإِذْنِ اللَّهِ : أَيْ فَبِأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَتْ ، وَلَمْ يَكُنْ فَسَادًا ، وَلَكِنْ نِقْمَةً مِنَ اللَّهِ ، وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ . وَقَوْلُهُ : وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ وَلِيُذِلَّ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمُخَالِفِينَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَهُمْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ .