الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ . . . "
) يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الَّذِي رَدَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ مُشْرِكِي الْقُرَى . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْأَلْوَانِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ حَتَّى بَلَغَ ( عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى .
الْآيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ لِهَؤُلَاءِ ، ثُمَّ قَرَأَ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى حَتَّى بَلَغَ لِلْفُقَرَاءِ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ قَالَ : اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، فَلَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ حَقٌّ ، ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي وَهُوَ يُسَيِّرُ حُمُرَهُ نُصِيبُهُ ، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ قَالَ : ثَنَا مَعْمَرٌ فِي قَوْلِهِ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّهَا الْجِزْيَةُ ، وَالْخَرَاجُ : خَرَاجُ أَهْلِ الْقُرَى . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْغَنِيمَةُ الَّتِي يُصِيبُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْقِتَالِ عَنْوَةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ مَا يُوجَفُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَفُتِحَ بِالْحَرْبِ عَنْوَةً ، فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ قَالَ : هَذَا قِسْمٌ آخَرُ فِيمَا أُصِيبَ بِالْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْغَنِيمَةُ الَّتِي أُوجِفَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَأُخِذَتْ بِالْغَلَبَةِ ، وَقَالُوا كَانَتِ الْغَنَائِمُ فِي بُدُوِّ الْإِسْلَامِ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ دُونَ الْمُرْجِفِينَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قَالَ : كَانَ الْفَيْءُ فِي هَؤُلَاءِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، فَقَالَ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَنَسَخَتْ هَذِهِ مَا كَانَ قَبْلَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، وَجُعِلَ الْخُمُسُ لِمَنْ كَانَ لَهُ الْفَيْءُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ ، وَكَانَتِ الْغَنِيمَةُ تُقْسَمُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ ، فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا ، وَيُقْسَمُ الْخُمُسُ الْبَاقِي عَلَى خَمْسَةِ أَخْمَاسٍ ، فَخُمُسٌ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ، وَخُمُسٌ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ ، وَخُمُسٌ لِلْيَتَامَى ، وَخُمُسٌ لِلْمَسَاكِينِ ، وَخُمُسٌ لِابْنِ السَّبِيلِ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَهْمَ قَرَابَتِهِ ، فَحَمَلَا عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَقَالُوا : قَوْلُهُ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَاتِ . بَيَانُ قَسْمِ الْمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَهَذَا قَوْلٌ كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حُكْمُهَا غَيْرُ حُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا مَالٌ جَعَلَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ لِأَحَدٍ نَصِيبًا ، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ وَإِنَّا قَدْ أَمَرْنَا لَهُمْ بِرَضْخٍ ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُرْ بِذَلِكَ غَيْرِي . قَالَ : اقْبِضْهُ - أَيُّهَا الْمَرْءُ - فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ ، إِذْ جَاءَ يَرْفَأُ مَوْلَاهُ ، فَقَالَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَسَعْدٌ يَسْتَأْذِنُونَ ، فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُمْ ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : هَذَا عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ ، فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُمَا فَلَمَّا دَخَلَ الْعَبَّاسُ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْغَادِرِ الْخَائِنِ الْفَاجِرِ ، وَهُمَا جَاءَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي النَّضِيرِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : اقْضِ بَيْنَهُمَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَرِحْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، فَقَدْ طَالَتْ خُصُومَتُهُمَا ، فَقَالَ : أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهْ صَدَقَةٌ قَالُوا : قَدْ قَالَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا : أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ . قَالَ : فَسَأُخْبِرُكُمْ بِهَذَا الْفَيْءِ ، إِنَّ اللَّهَ خَصَّ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطَهُ غَيْرُهُ ، فَقَالَ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ فَكَانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً ، فَوَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا دُونَكُمْ ، وَلَقَدْ قَسَمَهَا عَلَيْكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَتَهُمْ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي مَالِ اللَّهِ .
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي قَبِلَهَا مَضَتْ - وَذَكَرَ الْمَالَ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مَعَهُ شَيْئًا ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خَبَرًا عَنِ الْمَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِأَصْنَافٍ شَتَّى - كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي جَعَلَهُ لِأَصْنَافٍ مِنْ خَلْقِهِ غَيْرُ الْمَالِ الَّذِي جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا . وَقَوْلُهُ : ( وَلِذِي الْقُرْبَى ) يَقُولُ : وَلِذِي قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَالْيَتَامَى ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَاجَةِ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ ، وَالْمَسَاكِينِ وَهُمُ الْجَامِعُونَ فَاقَةً وَذُلَّ الْمَسْأَلَةِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَهُمُ الْمُنْقَطِعُ بِهِمْ مِنَ الْمُسَافِرِينَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ الَّتِي جَاءَتْ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا .
وَقَوْلُهُ : كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - . وَجَعَلْنَا مَا أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ ، كَيْلَا يَكُونَ ذَلِكَ الْفَيْءُ دُولَةً يَتَدَاوَلُهُ الْأَغْنِيَاءُ مِنْكُمْ بَيْنَهُمْ ، يَصْرِفُهُ هَذَا مَرَّةً فِي حَاجَاتِ نَفْسِهِ ، وَهَذَا مَرَّةً فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ وَسُبُلِ الْخَيْرِ ، فَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءُوا ، وَلَكِنَّنَا سَنَنَّا فِيهِ سُنَّةً لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ ( كَيْلَا يَكُونَ ) ( دُولَةً ) نَصْبًا عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ الْمَعْنَى ، وَأَنَّ يَكُونَ ذُكِّرَ لِلْفَيْءِ .
وَقَوْلُهُ : ( دُولَةً ) نُصِبَ : خَبَرُ يَكُونَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ كَيْلَا تَكُونَ دُولَةٌ عَلَى رَفْعِ الدُّولَةِ ، مَرْفُوعَةٌ بِتَكُونَ ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ : بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ، وَبِضَمِّ الدَّالِ مِنْ ( دُولَةً ) قَرَأَ جَمِيعُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، غَيْرَ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَتْحُ فِيهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، إِذَا ضُمَّتِ الدَّالُ أَوْ فُتِحَتْ ، فَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا فُتِحَتِ الدَّوْلَةُ وَتَكُونُ لِلْجَيْشِ يَهْزِمُ هَذَا هَذَا ، ثُمَّ يُهْزَمُ الْهَازِمُ ، فَيُقَالُ : قَدْ رَجَعَتِ الدَّوْلَةُ عَلَى هَؤُلَاءِ قَالَ : وَالدُّولَةُ بِرَفْعِ الدَّالِ فِي الْمُلْكِ وَالسِّنِينَ الَّتِي تُغَيَّرُ وَتُبَدَّلُ عَلَى الدَّهْرِ ، فَتِلْكَ الدُّولَةُ وَالدُّوَلُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَرْقُ مَا بَيْنَ الضَّمِّ وَالْفَتْحِ أَنَّ الدُّولَةَ هِيَ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَدَاوَلُ بِعَيْنِهِ ، وَالدَّوْلَةَ الْفِعْلُ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتُجِيزَ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ : كَيْ لا يَكُونَ بِالْيَاءِ ( دُولَةً ) ، بِضَمِّ الدَّالِ وَنَصْبِ الدُّولَةِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُ فِي ذَلِكَ ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدُّولَةِ وَالدَّوْلَةِ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا مَا ذَكَرْتُ عَنِ الْكُوفِيِّ فِي ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَا أَعْطَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا أَفَاءَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، مِنَ الْغُلُولِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ ( فَانْتَهُوا ) .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ نَحْوَ قَوْلِنَا فِي ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ إِلَى مَا آتَاكُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَ : يُؤْتِيهِمُ الْغَنَائِمَ وَيَمْنَعُهُمُ الْغُلُولَ . وَقَوْلُهُ : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) يَقُولُ : وَخَافُوا اللَّهَ ، وَاحْذَرُوا عِقَابَهُ فِي خِلَافِكُمْ عَلَى رَسُولِهِ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، وَمَعْصِيَتِكُمْ إِيَّاهُ ( إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ عِقَابُهُ لِمَنْ عَاقَبَهُ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .