الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا . . . "
) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾( 18 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَكَانَ عُقْبَى أَمْرِ الشَّيْطَانِ وَالْإِنْسَانِ الَّذِي أَطَاعَهُ - فَكَفَرَ بِاللَّهِ - أَنَّهُمَا خَالِدَانِ فِي النَّارِ مَاكِثَانِ فِيهَا أَبَدًا ، ( وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) يَقُولُ : وَذَلِكَ ثَوَابُ الْيَهُودِ مِنَ النَّضِيرِ وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَعَدُوهُمُ النُّصْرَةَ - وَكُلُّ كَافِرٍ بِاللَّهِ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ - أَنَّهُمْ فِي النَّارِ مُخَلَّدُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ : ( خَالِدَيْنِ فِيهَا ) فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ ، وَفِي النَّارِ الْخَبَرُ قَالَ : وَلَوْ كَانَ فِي الْكَلَامِ لَكَانَ الرَّفْعُ أَجْوَدَ فِي خَالِدَيْنِ قَالَ : وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ : إِذَا جِئْتَ مَرَّتَيْنِ فَهُوَ نَصْبٌ لِشَيْءٍ ، إِنَّمَا فِيهَا تَوْكِيدٌ ، جِئْتَ بِهَا أَوْ لَمْ تَجِئْ بِهَا فَهُوَ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ كَثِيرًا مَا تَجْعَلُهُ حَالًا إِذَا كَانَ فِيهَا لِلتَّوْكِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي غَيْرِ مَكَانٍ قَالَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَانِ فِيهَا . قَالَ : وَفِي أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا نَصْبٌ ، قَالَ : وَلَا أَشْتَهِي الرَّفْعَ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْفِعْلَ بَيْنَ صِفَتَيْنِ قَدْ عَادَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الْأُخْرَى نَصَبْتَ ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ قَوْلُكَ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَلَى نَابِهِ مُتَحَمِّلًا بِهِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى تَرَائِبِهَا شَرَقَا بِهِ اللَّبَّاتُ وَالنَّحْرُ لِأَنَّ التَّرَائِبَ هِيَ اللَّبَّاتُ ، هَا هُنَا ، فَعَادَتِ الصِّفَةُ بِاسْمِهَا الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصِّفَتَانِ جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى حُسْنٍ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ : عَبْدُ اللَّهِ فِي الدَّارِ رَاغِبٌ فِيكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الَّتِي فِي الدَّارِ مُخَالِفَةٌ لَفِي الَّتِي تَكُونُ فِي الرَّغْبَةِ . قَالَ : وَالْحُجَّةُ مَا يُعْرَفُ بِهِ النَّصْبُ مِنَ الرَّفْعِ أَنْ لَا تَرَى الصِّفَةَ الْآخِرَةَ تَتَقَدَّمُ قَبْلَ الْأُولَى ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : هَذَا أَخُوكَ فِي يَدِهِ دِرْهَمٌ قَابِضًا عَلَيْهِ ، فَلَوْ قُلْتَ : هَذَا أَخُوكَ قَابِضًا عَلَيْهِ فِي يَدِهِ دِرْهَمٌ لَمْ يَجُزْ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : هَذَا رَجُلٌ قَائِمٌ إِلَى زَيْدٍ فِي يَدِهِ دِرْهَمٌ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْصُوبَ إِذَا امْتَنَعَ تَقْدِيمُ الْآخَرِ ، وَيَدُلُّ عَلَى الرَّفْعِ إِذَا سَهُلَ تَقْدِيمُ الْآخَرِ .
وَقَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَوَحَّدُوهُ ، اتَّقُوا اللَّهَ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ . وَقَوْلُهُ : وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ يَقُولُ : وَلِيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَا قَدَّمَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، أَمِنَ الصَّالِحَاتِ الَّتِي تُنْجِيهِ أَمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تُوبِقُهُ ؟ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ : مَا زَالَ رَبُّكُمْ يُقَرِّبُ السَّاعَةَ حَتَّى جَعَلَهَا كَغَدٍ ، وَغَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ - يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ - الْخَيْرَ وَالشَّرَّ . قَالَ : وَالْأَمْسُ فِي الدُّنْيَا ، وَغَدٌ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَرَأَ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ قَالَ : كَأَنْ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا . وَقَوْلُهُ : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) يَقُولُ : وَخَافُوا اللَّهَ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ بِأَعْمَالِكُمْ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِهَا .