الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا . . . "
) ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾( 6 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ : يَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِكَ فَجَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَكَ ، وَعَبَدُوا غَيْرَكَ ، بِأَنْ تُسَلِّطَهُمْ عَلَيْنَا ، فَيَرَوْا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ ، وَأَنَّا عَلَى بَاطِلٍ ، فَتَجْعَلَنَا بِذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ : لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ ، وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ ، فَيَقُولُوا : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى حَقٍّ مَا أَصَابَهُمْ هَذَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ : يَقُولُ : لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتَتِنُوا بِذَلِكَ . يَرَوْنَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا ظَهَرُوا عَلَيْنَا لِحَقٍّ هُمْ عَلَيْهِ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُ : لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا .
وَقَوْلُهُ : وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا يَقُولُ : وَاسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا بِعَفْوِكَ لَنَا عَنْهَا يَا رَبَّنَا ، ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يَعْنِي : الشَّدِيدُ الِانْتِقَامِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ ، الْحَكِيمُ يَقُولُ : الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ ، وَصَرْفِهِ إِيَّاهُمْ فِيمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ . وَقَوْلُهُ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَالرُّسُلِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ يَقُولُ : لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ، وَثَوَابَ اللَّهِ ، وَالنَّجَاةَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ . وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ يَتَوَلَّ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَنَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَأَدْبَرَ مُسْتَكْبِرًا ، وَوَالَى أَعْدَاءَ اللَّهِ ، وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ إِيمَانِهِ بِهِ ، وَطَاعَتِهِ إِيَّاهُ ، وَعَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ ، الْحَمِيدُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَيَادِيهِ ، وَآلَائِهِ عِنْدَهُمْ .