الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ لَا مَا يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ . وَقَوْلُهُ : وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَقُولُ : وَخَلَقَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ لِمَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِثْلَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الْخَلْقِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قَالَ عَمْرٌو : قَالَ : فِي كُلِّ أَرْضٍ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَنَحْوَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : فِي كُلِّ سَمَاءٍ إِبْرَاهِيمُ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قَالَ : لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِتَفْسِيرِهَا لَكَفَرْتُمْ وَكُفْرُكُمْ تَكْذِيبُكُمْ بِهَا . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ غِلَظُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ ، وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ ، وَفَوْقَ السَّبْعِ السَّمَاوَاتِ الْمَاءُ ، وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَوْقَ الْمَاءِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ .
وَالْأَرْضُ سَبْعٌ ، بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ ، وَغِلَظُ كُلِّ أَرْضٍ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْقُمِّيُّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ . الْآيَةَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أُخْبِرَكَ بِهَا فَتَكْفُرَ .
قَالَ : ثَنَا عَبَّاسٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : هَذِهِ الْأَرْضُ إِلَى تِلْكَ مِثْلُ الْفُسْطَاطِ ضَرَبْتَهُ فِي فَلَاةٍ ، وَهَذِهِ السَّمَاءُ إِلَى تِلْكَ السَّمَاءِ ، مِثْلُ حَلْقَةٍ رَمَيْتَ بِهَا فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : السَّمَاءُ أَوَّلُهَا مَوْجٌ مَكْفُوفٌ ، وَالثَّانِيَةُ صَخْرَةٌ ، وَالثَّالِثَةُ حَدِيدٌ ، وَالرَّابِعَةُ نُحَاسٌ ، وَالْخَامِسَةُ فِضَّةٌ ، وَالسَّادِسَةُ ذَهَبٌ ، وَالسَّابِعَةُ يَاقُوتَةٌ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : ثَنِي حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : هَذَا الْبَيْتُ الْكَعْبَةُ رَابِعُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا ، فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ ، كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا حَذْوَ صَاحِبِهِ ، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ هَذَا الْحَرَمَ حَرَمِي ، بِنَاؤُهُ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعَ أَرَضِينَ ، فِي كُلِّ سَمَاءٍ مِنْ سَمَائِهِ ، وَأَرْضٍ مِنْ أَرْضِهِ ، خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ وَأَمْرٌ مِنْ أَمْرِهِ ، وَقَضَاءٌ مِنْ قَضَائِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ مَرَّةً مَعَ أَصْحَابِهِ ، إِذْ مَرَّتْ سَحَابَةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذِهِ الْعَنَانُ ، هَذِهِ رَوَايَا الْأَرْضِ ، يَسوُقُهَا اللَّهُ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْبُدُونَهُ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ السَّمَاءُ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : هَذِهِ السَّمَاءُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءٌ أُخْرَى حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ يَقُولُ : أَتَدْرُونَ مَا بَيْنَهُمَا؟ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ قَالَ : أَتُدْرُونَ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : بَيْنَهُمَا خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الْأَرْضُ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : تَحْتَ ذَلِكَ أَرْضٌ قَالَ : أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دُلِّيَ رَجُلٌ بِحَبْلٍ حَتَّى يَبْلُغَ أَسْفَلَ الْأَرْضِينَ السَّابِعَةِ لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَالَ : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الْتَقَى أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ : أَرْسَلَنِي رَبِّي مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، وَتَرَكْتُهُ ثَمَّ ، قَالَ الْآخَرُ : أَرْسَلَنِي رَبِّي مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَتَرَكْتُهُ ثَمَّ ، قَالَ الْآخَرُ : أَرْسَلَنِي رَبِّي مِنَ الْمَشْرِقِ وَتَرَكْتُهُ ثَمَّ ، قَالَ الْآخَرُ : أَرْسَلَنِي رَبِّي مِنَ الْمَغْرِبِ وَتَرَكْتُهُ ثَمَّ . وَقَوْلُهُ : يَتَنَـزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَتَنَزَّلُ أَمْرُ اللَّهِ بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ . كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : يَتَنَـزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ قَالَ : بَيْنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ .
وَقَوْلُهُ : لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَنْزِلُ قَضَاءُ اللَّهِ وَأَمْرُهُ بَيْنَ ذَلِكَ كَيْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ كُنْهَ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَمْرٌ شَاءَهُ; وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلِتَعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ مُحِيطٌ عِلْمًا ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَخَافُوا أَيُّهَا النَّاسُ الْمُخَالِفُونَ أَمْرَ رَبِّكُمْ عُقُوبَتَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ عُقُوبَتِكُمْ مَانِعٌ ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ وَمُحِيطٌ أَيْضًا بِأَعْمَالِكُمْ ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافٍ ، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ ، لِيُجَازِيَكُمْ بِهَا ، يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ