الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ، وَهُوَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ : حَفْصَةُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ قَبْلُ . وَقَوْلُهُ : ( حَدِيثًا ) وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَسَرَّ إِلَيْهَا فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ هُوَ قَوْلُهُ لِمَنْ أَسَرَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ أَزْوَاجِهِ تَحْرِيمُ فَتَاتِهِ ، أَوْ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَحَلَّهُ لَهُ ، وَحَلِفُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ .
وَقَوْلُهُ : فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَمَّا أَخْبَرَتْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَسَرَّ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَتَهَا وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ يَقُولُ : وَأَظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهَا قَدْ أَنْبَأَتْ بِذَلِكَ صَاحِبَتَهَا . وَقَوْلُهُ : عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ الْكِسَائِيِّ ( عَرَّفَ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، بِمَعْنَى : عَرَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ بَعْضَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَأَخْبَرَهَا بِهِ ، وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَذْكُرُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وَقَتَادَةَ ، أَنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ ( عَرَفَ ) بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، بِمَعْنَى : عَرَفَ لِحَفْصَةَ بَعْضَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنْ إِفْشَائِهَا سِرَّهُ ، وَقَدِ اسْتَكْتَمَهَا إِيَّاهُ ، أَيْ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَازَاهَا عَلَيْهِ; مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ : لَأَعْرِفَنَّ لَكَ يَا فُلَانُ مَا فَعَلْتَ ، بِمَعْنَى : لَأُجَازِيَنَّكَ عَلَيْهِ; قَالُوا : وَجَازَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهَا بِأَنْ طَلَّقَهَا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ ( عَرَّفَ بَعْضَهُ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، بِمَعْنَى : عَرَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ ، يَعْنِي مَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهَا صَاحِبَتَهَا؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ يَقُولُ : وَتَرَكَ أَنْ يُخْبِرَهَا بِبَعْضٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا قَوْلُهُ لَهَا : لَا تَذْكُرِيهِ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ وَكَانَ كَرِيمًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ ) يَقُولُ : فَلَمَّا خَبَّرَ حَفْصَةَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ إِفْشَائِهَا سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَائِشَةَ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا يَقُولُ : قَالَتْ حَفْصَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا الْخَبَرَ وَأَخْبَرَكَ بِهِ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ لِحَفْصَةَ : خَبَّرَنِي بِهِ الْعَلِيمُ بِسَرَائِرِ عِبَادِهِ ، وَضَمَائِرِ قُلُوبِهِمْ ، الْخَبِيرُ بِأُمُورِهِمْ ، الَّذِي لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا وَلَمْ تَشُكَّ أَنَّ صَاحِبَتَهَا أَخْبَرَتْ عَنْهَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ .