الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ . . . "
) ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾( 4 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مُخْبِرًا عَنْ صِفَتِهِ : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا طَبَقًا فَوْقَ طَبَقٍ ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ . وَقَوْلُهُ : مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَ لَا فِي سَمَاءٍ وَلَا فِي أَرْضٍ ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاوُتٍ ، يَعْنِي مِنَ اخْتِلَافٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ : مَا تَرَى فِيهِمْ مِنَ اخْتِلَافٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ تَفَاوُتٍ ) قَالَ : مِنَ اخْتِلَافٍ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( مِنْ تَفَاوُتٍ ) بِأَلِفٍ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ( مِنْ تَفَوُّتٍ ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ بِغَيْرِ أَلِفٍ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، كَمَا قِيلَ : وَلَا تُصَاعِرْ ، وَلَا تُصَعِّرْ; وَتَعَهَّدْتُ فُلَانًا ، وَتَعَاهَدْتُهُ; وَتَظَهَّرْتُ ، وَتَظَاهَرْتُ ; وَكَذَلِكَ التَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ . وَقَوْلُهُ : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ يَقُولُ : فَرُدَّ الْبَصَرَ ، هَلْ تَرَى فِيهِ مِنْ صُدُوعٍ؟ وَهِيَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ بِمَعْنَى يَتَشَقَّقْنَ وَيَتَصَدَّعْنَ ، الْفُطُورُ مَصْدَرُ فَطَرَ فُطُورًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ قَالَ : الْفُطُورُ : الْوَهْيُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ يَقُولُ : هَلْ تَرَى مِنْ خَلَلٍ يَا ابْنَ آدَمَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ( مِنْ فُطُورٍ ) قَالَ : مِنْ خَلَلٍ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ قَالَ : مِنْ شُقُوقٍ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ رُدَّ الْبَصَرَ يَا ابْنَ آدَمَ كَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَانْظُرْ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ أَوْ تَفَاوُتٍ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا يَقُولُ : يَرْجِعُ إِلَيْكَ بَصَرُكَ صَاغِرًا مُبْعَدًا ، مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْكَلْبِ : اخْسَأْ ، إِذَا طَرَدُوهُ ، أَيِ ابْعِدْ صَاغِرًا ( وَهُوَ حَسِيرٌ ) يَقُولُ : وَهُوَ مُعْيٍ كَالٌّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَقُولُ : هَلْ تَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ خَلَلٍ؟ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ بِسَوَادِ اللَّيْلِ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ يَقُولُ : ذَلِيلًا ، وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ حَسِيرٌ ) يَقُولُ : مُرْجَفٌ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا أَيْ حَاسِرًا ( وَهُوَ حَسِيرٌ ) أَيْ مُعْيٍ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ( خَاسِئًا ) قَالَ : صَاغِرًا ، ( وَهُوَ حَسِيرٌ ) يَقُولُ : مُعْيٍ لَمْ يَرَ خَلَلًا وَلَا تَفَاوُتًا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْخَاسِئُ وَالْحَسِيرُ وَاحِدٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ . الْآيَةَ ، قَالَ : الْخَاسِئُ وَالْخَاسِرُ وَاحِدٌ; حَسَرَ طَرْفُهُ أَنْ يَرَى فِيهَا فَطْرًا فَرَجَعَ وَهُوَ حَسِيرٌ قَبْلَ أَنْ يَرَى فِيهَا فَطْرًا; قَالَ : فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ انْفَطَرَتْ ثُمَّ انْشَقَّتْ ، ثُمَّ جَاءَ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ انْكَشَطَتْ .