الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "
) ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾( 15 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( أَلَا يَعْلَمُ ) الرَّبُّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ( مَنْ خَلَقَ ) مِنْ خَلْقِهِ؟ يَقُولُ : كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ خَلْقُهُ الَّذِي خَلَقَ ( وَهُوَ اللَّطِيفُ ) بِعِبَادِهِ ( الْخَبِيرُ ) بِهِمْ وَبِأَعْمَالِهِمْ . وَقَوْلُهُ : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا سَهْلًا سَهَّلَهَا لَكُمْ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا . اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى ( مَنَاكِبِهَا ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَنَاكِبُهَا : جِبَالُهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : فِي مَنَاكِبِهَا يَقُولُ : جِبَالُهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا فَقَالَ لِجَارِيَةٍ لَهُ : إِنْ دَرَيْتِ مَا مَنَاكِبُهَا ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ ; قَالَتْ : فَإِنَّ مَنَاكِبَهَا : جِبَالُهَا ، فَكَأَنَّمَا سُفِعَ فِي وَجْهِهِ ، وَرَغِبَ فِي جَارِيَتِهِ ، فَسَأَلَ . مِنْهُمْ مَنْ أَمَرَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَاهُ ، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : الْخَيْرُ فِي طُمَأْنِينَةٍ ، وَالشَّرُّ فِي رِيبَةٍ ، فَذَرْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ ، بِمَثَلِهِ سَوَاءً . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا : جِبَالُهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ( فِي مَنَاكِبِهَا ) قَالَ : فِي جِبَالِهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : ( مَنَاكِبِهَا ) : أَطْرَافُهَا وَنَوَاحِيهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا يَقُولُ : امْشُوا فِي أَطْرَافِهَا . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ الْعَدَوِيَّ ، قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا فَقَالَ لِجَارِيَتِهِ : إِنْ أَخْبَرْتِنِي مَا مَنَاكِبُهَا ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ ، فَقَالَتْ : نَوَاحِيهَا ; فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : إِنَّ الْخَيْرَ فِي طُمَأْنِينَةٍ ، وَإِنَّ الشَّرَّ فِي رِيبَةٍ ، فَدَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا قَالَ : طُرُقُهَا وَفِجَاجُهَا . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَامْشُوا فِي نَوَاحِيهَا وَجَوَانِبِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ نَوَاحِيَهَا نَظِيرَ مَنَاكِبِ الْإِنْسَانِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَطْرَافِهِ . وَقَوْلُهُ : وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ يَقُولُ : وَكُلُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَكُمْ مِنْ مَنَاكِبِ الْأَرْضِ ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِلَى اللَّهِ نَشْرُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ .