الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ "
) ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾( 44 ) وَقَوْلُهُ : يَوْمَ يَخْرُجُونَ بَيَانٌ وَتَوْجِيهٌ عَنِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ : يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَهُ ، يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ ، وَهِيَ الْقُبُورُ : وَاحِدُهَا جَدَثٌ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا : أَيْ مِنَ الْقُبُورِ سِرَاعًا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مِثْلَهُ .
وَقَدْ بَيَّنَا الْجَدَثَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ ، وَمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ . وَقَوْلُهُ : إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ يَقُولُ : كَأَنَّهُمْ إِلَى عَلَمٍ قَدْ نُصِبَ لَهُمْ يَسْتَبِقُونَ . وَأَجْمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى فَتْحِ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ : ( نَصْبٍ ) غَيْرَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَضُمُّهَا مَعَ الصَّادِ; وَكَأَنَّ مَنْ فَتَحَهَا يُوَجِّهُ النَّصْبَ إِلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَصَبْتُ الشَّيْءَ أَنْصِبُهُ نَصْبًا .
وَكَانَ تَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ : كَأَنَّهُمْ إِلَى صَنَمٍ مَنْصُوبٍ يُسْرِعُونَ سَعْيًا . وَأَمَّا مَنْ ضَمَّهَا مَعَ الصَّادِ فَإِنَّهُ يُوَجَّهُ إِلَى أَنَّهُ وَاحِدُ الْأَنْصَابِ ، وَهِيَ آلِهَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُوفِضُونَ فَإِنَّ الْإِيفَاضَ : هُوَ الْإِسْرَاعُ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : لَأَنْعَتَنَّ نَعَامَةً مِيفَاضَا خَرْجَاءَ تَغْدُو تَطْلُبُ الْإِضَاضَا يَقُولُ : تَطْلُبُ مَلْجَأً تَلْجَأُ إِلَيْهِ; وَالْإِيفَاضُ : السُّرْعَةُ; وَقَالَ رُؤْبَةُ : تَمْشِي بِنَا الْجِدَّ عَلَى أَوْفَاضٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : إِلَى عَلَامَاتٍ يَسْتَبِقُونَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : إِلَى عَلَمٍ يَسْعَوْنَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : يُوفِضُونَ قَالَ : يَسْتَبِقُونَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ : إِلَى عَلَمٍ يَسْعَوْنَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : إِلَى عَلَمٍ ، يُوفِضُونَ ، قَالَ : يَسْعَوْنَ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : إِلَى غَايَةٍ يَسْتَبِقُونَ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ إِلَى عَلَمٍ يَنْطَلِقُونَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : إِلَى عَلَمٍ يَسْتَبِقُونَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : النُّصُبُ : حِجَارَةٌ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا ، حِجَارَةٌ طِوَالٌ يُقَالُ لَهَا نُصُبٌ .
وَفِي قَوْلِهِ : يُوفِضُونَ قَالَ : يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يُسْرِعُونَ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ; قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَالْأَنْصَابُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَهَا وَيَأْتُونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَحْمِلُهُ مَعَهُ ، فَإِذَا رَأَى أَحْسَنَ مِنْهُ أَخَذَهُ ، وَأَلْقَى هَذَا ، فَقَالَ لَهُ : كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، قَالَ : ثَنَا مُرَّةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ : يَبْتَدِرُونَ إِلَى نُصُبِهِمْ ، أَيُّهُمْ يَسْتَلِمُهُ أَوَّلَ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قَالَ : ثَنَا قُرَّةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، مِثْلَهُ .
وَقَوْلُهُ : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ يَقُولُ : خَاضِعَةً أَبْصَارُهُمْ لِلَّذِي هُمْ فِيهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ ، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يَقُولُ : تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ ، ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي وَصَفْتُ صِفَتَهُ ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، الَّذِي كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُوعِدُونَ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ لَاقُوهُ فِي الْآخِرَةِ ، كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ذَلِكَ الْيَوْمُ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ .