الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
) ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾( 2 ) ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾( 3 ) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾( 4 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَمَكَ إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَقُولُ : أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ بِأَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ; فَ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَفِي مَوْضِعِ خَفْضٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . وَقَدْ بَيَّنْتُ الْعِلَلَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا ذُكِرَ ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ) بِغَيْرِ أَنْ وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : قُلْنَا لِنُوحٍ : أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ; وَذَلِكَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ هُوَ الطُّوفَانُ الَّذِي غَرَّقَهُمُ اللَّهُ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ : يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، أُنْذِرُكُمْ عَذَابَ اللَّهِ فَاحْذَرُوهُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ ( مُبِينٌ ) يَقُولُ : قَدْ أَبَنْتُ لَكُمْ إِنْذَارِي إِيَّاكُمْ .
وَقَوْلُهُ : ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، يَقُولُ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ أُنْذِرُكُمْ ، وَآمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ( وَاتَّقُوهُ ) يَقُولُ : وَاتَّقُوا عِقَابَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ( وَأَطِيعُونِ ) يَقُولُ : وَانْتَهُوا إِلَى مَا آمُرُكُمْ بِهِ ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي لَكُمْ . وَقَدْ حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ قَالَ : أَرْسَلَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ بِأَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ ، وَأَنْ تُتَّقَى مَحَارِمُهُ ، وَأَنْ يُطَاعَ أَمْرُهُ . وَقَوْلُهُ : يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يَقُولُ : يَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوَلَيْسَتْ مِنْ دَالَّةً عَلَى الْبَعْضِ ؟ قِيلَ : إِنْ لَهَا مَعْنَيَيْنِ وَمَوْضِعَيْنِ ، فَأَمَّا أَحَدُ الْمَوْضِعَيْنِ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ تَدُلَّ إِلَّا عَلَى الْبَعْضِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ : اشْتَرَيْتُ مِنْ مَمَالِيكِكَ ، فَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ غَيْرُهَا ، وَمَعْنَاهَا : الْبَعْضُ ، اشْتَرَيْتُ بَعْضَ مَمَالِيكِكَ ، وَمِنْ مَمَالِيكِكَ مَمْلُوكًا . وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ : هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ فِيهِ مَكَانُهَا عَنْ فَإِذَا صَلَحَتْ مَكَانَهَا عَنْ دَلَّتْ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ : وَجِعَ بَطْنِي مِنْ طَعَامٍ طَعِمْتُهُ ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْجَعَ بَطْنِي طَعَامٌ طَعِمْتُهُ ، وَتَصْلُحُ مَكَانَ مِنْ عَنْ وَذَلِكَ أَنَّكَ تَضَعُ مَوْضِعَهَا عَنْ فَيَصْلُحُ الْكَلَامُ فَتَقُولُ : وَجِعَ بَطْنِي عَنْ طَعَامٍ طَعِمْتُهُ ، وَمِنْ طَعَامٍ طَعِمْتُهُ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ إِنَّمَا هُوَ : وَيَصْفَحُ لَكُمْ ، وَيَعْفُو لَكُمْ عَنْهَا; وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا : يَغْفِرُ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا قَدْ وَعَدَكُمُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ .
فَأَمَّا مَا لَمْ يَعِدْكُمُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَفْوُهُ لَكُمْ عَنْهَا . وَقَوْلُهُ : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى يَقُولُ : وَيُؤَخِّرُ فِي آجَالِكُمْ فَلَا يُهْلِكُكُمْ بِالْعَذَابِ ، لَا بِغَرَقٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى يَقُولُ : إِلَى حِينِ كَتَبَ أَنَّهُ يُبْقِيكُمْ إِلَيْهِ ، إِنْ أَنْتُمْ أَطَعْتُمُوهُ وَعَبَدْتُمُوهُ ، فِي أُمِّ الْكِتَابِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالَ : مَا قَدْ خَطَّ مِنَ الْأَجَلِ ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُ اللَّهِ لَا يُؤَخَّرُ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ الَّذِي قَدْ كَتَبَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ إِذَا جَاءَ عِنْدَهُ لَا يُؤَخَّرُ عَنْ مِيقَاتِهِ ، فَيَنْظُرُ بَعْدَهُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَقُولُ : لَوْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ .