الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا "
) ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ﴾( 20 ) ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا ﴾( 21 ) ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾( 22 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ ، مُذَكِّرَهُمْ نِعَمَ رَبِّهِ : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا ﴾ تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا وَتَمْتَهِدُونَهَا . وَقَوْلُهُ : ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ﴾ يَقُولُ : لِتَسْلُكُوا مِنْهَا طُرُقًا صِعَابًا مُتَفَرِّقَةً; وَالْفِجَاجُ : جَمْعُ فَجٍّ ، وَهُوَ الطَّرِيقُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ﴾ قَالَ : طُرُقًا وَأَعْلَامًا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ﴾ قَالَ : طُرُقًا . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ﴾ يَقُولُ : طُرُقًا مُخْتَلِفَةً .
وَقَوْلُهُ : قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فَخَالَفُوا أَمْرِي ، وَرَدُّوا عَلَيَّ مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالرَّشَادِ وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا يَقُولُ : وَاتَّبَعُوا فِي مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّايَ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، مِمَّنْ كَثُرَ مَالُهُ وَوَلَدُهُ ، فَلَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ مَالِهِ وَوَلَدِهِ إِلَّا خَسَارًا ، بُعْدًا مِنَ اللَّهِ ، وَذَهَابًا عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( وَوَلَدُهُ ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ : ( وَوَلَدُهُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ ، وَكَذَلِكَ قَرَءُوا ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْوَلَدِ مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ .
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَرْفِ الْوَاحِدِ فِي سُورَةِ نُوحٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَضُمُّ الْوَاوَ مِنْهُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَاتٌ ، مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ يَقُولُ : وَمَكَرُوا مَكْرًا عَظِيمًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : كُبَّارًا قَالَ : عَظِيمًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ كَثِيرًا ، كَهَيْئَةِ قَوْلِهِ : ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ﴾ وَالْكُبَّارُ هُوَ الْكَبِيرُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : أَمْرٌ عَجِيبٌ وَعُجَابٌ بِالتَّخْفِيفِ ، وَعُجَّابٌ بِالتَّشْدِيدِ; وَرَجُلٌ حُسَانٌ وَحَسَّانٌ ، وَجُمَالٌ وَجَمَّالٌ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، وَكَذَلِكَ كَبِيرٌ وَكُبَّارٌ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ .