الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا "
) ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ﴾( 21 ) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾( 22 ) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ : قَالَ : بِالْأَلْفِ; وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، جَعَلَهُ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ تَلَبَّدُوا عَلَيْهِ ، قَالَ لَهُمْ : إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ، وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْكَ لِبَدًا ، إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْكَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ : إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا فِي دِينِكُمْ وَلَا فِي دُنْيَاكُمْ ، وَلَا رَشَدًا أُرْشِدُكُمْ ، لِأَنَّ الَّذِي يَمْلِكُ ذَلِكَ ، اللَّهُ الَّذِي لَهُ مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ . وَقَوْلُهُ : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ إِنْ أَرَادَ بِي أَمْرًا ، وَلَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ نَاصِرٌ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; لِأَنَّ بَعْضَ الْجِنِّ قَالَ : أَنَا أُجِيرُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ جِنِّيًّا مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِذَا تَبَعَ ، قَالَ : إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نُجِيرَهُ وَأَنَا أُجِيرُهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ . وَقَوْلُهُ : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا يَقُولُ : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَلْجَئًا أَلْجَأُ إِلَيْهِ . كَمَا حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا يَقُولُ : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَلْجَئًا أَلْجَأُ إِلَيْهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا : أَيْ مَلْجَئًا وَنَصِيرًا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مُلْتَحَدًا قَالَ : مَلْجَئًا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا يَقُولُ : نَاصِرًا .