الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ . . . "
) ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴾( 24 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ : إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ يَقُولُ : إِلَّا أَنْ أُبَلِّغَكُمْ مِنَ اللَّهِ مَا أَمَرَنِي بِتَبْلِيغِكُمْ إِيَّاهُ ، وَإِلَّا رِسَالَاتِهِ الَّتِي أَرْسَلَنِي بِهَا إِلَيْكُمْ; فَأَمَّا الرَّشَدُ وَالْخِذْلَانُ ، فَبِيَدِ اللَّهِ ، هُوَ مَالِكُهُ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ مَنْ أَرَادَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ فَذَلِكَ الَّذِي أَمْلِكُ بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ إِلَّا حَرْفَيْنِ ، وَتَكُونُ لَا مُنْقَطِعَةً مِنْ إِنْ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ إِنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسَالَاتِهِ; وَيَكُونُ نَصْبُ الْبَلَاغِ مِنْ إِضْمَارِ فِعْلٍ مِنَ الْجَزَاءِ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : إِنْ لَا قِيَامًا فَقُعُودًا ، وَإِنْ لَا إِعْطَاءً فَرَدًّا جَمِيلًا ، بِمَعْنَى : إِنْ لَا تَفْعَلِ الْإِعْطَاءَ فَرَدًّا جَمِيلًا . وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ ، وَيُكَذِّبْ بِهِ وَرَسُولِهِ ، فَجَحَدَ رِسَالَاتِهِ ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا يَقُولُ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ . وَقَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِذَا عَايَنُوا مَا يَعِدُهُمْ رَبُّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا أَجُنْدُ اللَّهِ الَّذِي أَشْرَكُوا بِهِ ، أَمْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ .