الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ "
) ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾( 55 ) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾( 56 ) . يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ سَحَرٌ يُؤَثَرُ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ ، وَلَكِنَّهُ تَذْكِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ ، ذَكَّرَهُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ أَيِ : الْقُرْآنُ . وَقَوْلُهُ : ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ ، فَاتَّعَظَ فَاسْتَعْمَلَ مَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَا يُذْكُرُونَ هَذَا الْقُرْآنَ فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ، وَيَسْتَعْمِلُونَ مَا فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْكُرُوهُ; لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يُقْدِرُهُ عَلَيْهِ ، وَيُعْطِيهِ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : اللَّهُ أَهْلٌ أَنْ يَتَّقِي عِبَادُهُ عِقَابَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ ، فَيَجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ ، وَيُسَارِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ ، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ يَقُولُ : هُوَ أَهْلُ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَهُمْ إِذَا هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ ، وَلَا يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ رَبُّنَا مَحْقُوقٌ أَنْ تُتَّقَى مَحَارِمُهُ ، وَهُوَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قَالَ : أَهْلٌ أَنْ تُتَّقَى مَحَارِمُهُ ، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ : أَهْلٌ أَنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ .
آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ