الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا "
) ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ﴾( 17 ) ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴾( 18 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( قَوَارِيرَا ) فِي صَفَاءِ الصَّفَاءِ مِنْ فِضَّةِ الْفِضَّةِ مِنَ الْبَيَاضِ . كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ ، فِي قَوْلِهِ : كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : صَفَاءُ الْقَوَارِيرِ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : بَيَاضُ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، فِي قَوْلِهِ : كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : كَانَ تُرَابُهَا مِنْ فِضَّةٍ . وَقَوْلُهُ : قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : صَفَاءُ الزُّجَاجِ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا سُلَيْمَانُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : قَوَارِيرَ قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : لَوِ احْتَاجَ أَهْلُ الْبَاطِلِ أَنْ يَعْمَلُوا إِنَاءً مِنْ فِضَّةٍ يُرَى مَا فِيهِ مِنْ خَلْفِهِ ، كَمَا يُرَى مَا فِي الْقَوَارِيرِ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : هِيَ مِنْ فِضَّةٍ ، وَصَفَاؤُهَا : صَفَاءُ الْقَوَارِيرِ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : عَلَى صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ ، وَبَيَاضِ الْفِضَّةِ .
وَقَوْلُهُ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا يَقُولُ : قَدَّرُوا تِلْكَ الْآنِيَةَ الَّتِي يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِهَا تَقْدِيرًا عَلَى قَدْرِ رِيِّهِمْ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قَالَ : قُدِّرَتْ لِرَيِّ الْقَوْمِ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ ، فِي قَوْلِهِ : قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قَالَ : قَدْرَ رَيِّهِمْ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴾ قَالَ : لَا تَنْقُصُ وَلَا تَفِيضُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى : وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قَالَ : لَا تُتْرَعُ فَتُهَرَاقُ ، وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْ مَائِهَا فَتَنْقُصُ فَهِيَ مَلْأَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا لِرَيِّهِمْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قُدِّرَتْ عَلَى رَيِّ الْقَوْمِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قَالَ : قَدَّرُوهَا لِرَيِّهِمْ عَلَى قَدْرِ شُرْبِهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قَالَ : مُمْتَلِئَةٌ لَا تُهَرَاقَ ، وَلَيْسَتْ بِنَاقِصَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : قَدَّرُوهَا عَلَى قَدْرِ الْكَفِّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قَالَ : قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ : ( قَدَّرُوهَا ) بِفَتْحِ الْقَافِ ، بِمَعْنَى : قَدَّرَهَا لَهُمُ السُّقَاةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهَا عَلَيْهِمْ . وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ بِضَمِّ الْقَافِ ، بِمَعْنَى : قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ ، فَلَا زِيَادَةَ فِيهَا وَلَا نُقْصَانَ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيرُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا فَتْحُ الْقَافِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيُسْقَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْأَبْرَارُ فِي الْجَنَّةِ كَأْسًا ، وَهِيَ كُلُّ إِنَاءٍ كَانَ فِيهِ شَرَابٌ ، فَإِذَا كَانَ فَارِغًا مِنَ الْخَمْرِ لَمْ يُقَلْ لَهُ : كَأْسٌ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : إِنَاءٌ ، كَمَا يُقَالُ لِلطَّبَقِ الَّذِي تُهْدَى فِيهِ الْهَدِيَّةُ : الْمِهْدَى مَقْصُورًا مَا دَامَتْ عَلَيْهِ الْهَدِيَّةُ فَإِذَا فَرَغَ مِمَّا عَلَيْهِ كَانَ طَبَقًا أَوْ خِوَانًا ، وَلَمْ يَكُنْ مِهْدًى كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا يَقُولُ : كَانَ مِزَاجُ شَرَابِ الْكَأْسِ الَّتِي يُسْقُونَ مِنْهَا زَنْجَبِيلًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُمْزَجُ لَهُمْ شَرَابُهُمْ بِالزَّنْجَبِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا قَالَ : تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا قَالَ : يَأْثُرُ لَهُمْ مَا كَانُوا يَشْرَبُونَ فِي الدُّنْيَا . زَادَ الْحَارِثُ فِي حَدِيثِهِ : فَيُحَبِّبُهُ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الزَّنْجَبِيلُ : اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي مِنْهَا مِزَاجُ شَرَابِ الْأبْرَارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ١٧ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴾ رَقِيقَةٌ يَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا ، وَتُمْزَجُ لِسَائِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ : ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا . قِيلَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ سَلْسَبِيلًا سَلِسَةً مُنْقَادًا مَاؤُهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴾ عَيْنًا سَلِسَةً مُسْتَقِيدًا مَاؤُهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ تُسَمَّى سَلْسَبِيلا قَالَ : سَلِسَةٌ يُصْرِّفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهَا شَدِيدَةُ الْجِرْيَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴾ قَالَ : حَدِيدَةُ الْجِرْيَةِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ شِبْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : سَلِسَةُ الْجِرْيَةِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴾ حَدِيدَةُ الْجِرْيَةِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى السَّلْسَبِيلِ وَفِي إِعْرَابِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ سَلْسَبِيلَ صِفَةٌ لِلْعَيْنِ بِالتَّسَلْسُلِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا أَرَادَ عَيْنًا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا أَيْ : تُسَمَّى مِنْ طِيبِهَا السَّلْسَبِيلَ أَيْ : تُوصَفُ لِلنَّاسِ كَمَا تَقُولُ : الْأَعْوَجَّى والْأَرْحَبَّى وَالْمُهْرِيَّ مِنَ الْإِبِلِ ، وَكَمَا تَنْسُبُ الْخَيْلَ إِذَا وَصَفْتَ إِلَى الْخَيْلِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَنْسُوبَةِ كَذَلِكَ تَنْسُبُ الْعَيْنَ إِلَى أَنَّهَا تُسَمَّى ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ ، قَالَ : وَأَنْشَدَنِي يُونُسُ : صَفْرَاءُ مِنْ نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُهَا مِنْ طُولِ مَا صَرَعَ الصُّيُودَ الصَّيِّبُ فَرَفَعَ الصَّيِّبُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُسَمَّى بِالصَّيِّبِ ، إِنَّمَا الصَّيِّبُ مِنْ صِفَةِ الِاسْمِ وَالسَّهْمِ ، وَقَوْلُهُ : يُسَمَّى سَهْمُهَا أَيْ يُذْكَرُ سَهْمُهَا . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بَلْ هُوَ اسْمُ الْعَيْنِ ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ رَأْسَ آيَةٍ ، وَكَانَ مَفْتُوحًا ، زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ ، كَمَا قَالَ : ( كَانَتْ قَوارِيرَا ) . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : السَّلْسَبِيلُ : نَعْتٌ أَرَادَ بِهِ سَلِسٌ فِي الْحَلْقِ ، فَلِذَلِكَ حَرِيٌّ أَنْ تُسَمَّى بِسَلَاسَتِهَا .
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : ذَكَرُوا أَنَّ السَّلْسَبِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَاءِ لِسَلَسِهِ وَعُذُوبَتِهِ; قَالَ : وَنَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْمًا لِلْعَيْنِ لَكَانَ تَرْكُ الْإِجْرَاءِ فِيهِ أَكْثَرُ ، وَلَمْ نَرَ أَحَدًا تَرَكَ إِجْرَاءَهَا وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُجْرِي مَا لَا يُجْرَى فِي الشِّعْرِ ، كَمَا قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ : فَمَا وَجْدُ أَظْآرٍ ثَلَاثٍ رَوَائِمٍ رَأَيْنَ مَخَرًّا مِنْ حُوَارٍ وَمَصْرَعًا فَأَجْرَى رَوَائِمٍ ، وَهِيَ مِمَّا لَا يُجْرَى . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ : تُسَمَّى سَلْسَبِيلا صِفَةٌ لِلْعَيْنِ ، وُصِفَتْ بِالسَّلَاسَةِ فِي الْحَلْقِ ، وَفِي حَالِ الْجَرْيِ ، وَانْقِيَادِهَا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يُصَرِّفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ; وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ ( تُسَمَّى ) : تُوصَفُ . وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ( سَلْسَبِيلًا ) صِفَةٌ لَا اسْمٌ .