الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا "
) ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴾( 15 ) . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَقَرُبَتْ مِنْهُمْ ظِلَالُ أَشْجَارِهَا . وَلِنَصْبِ دَانِيَةً أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : الْعَطْفُ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : ( مُتَّكِئِينَ فِيهَا ) .
وَالثَّانِي : الْعَطْفُ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ قَوْلِهِ : لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا لِأَنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ : مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ، غَيْرَ رَائِينَ فِيهَا شَمْسًا . وَالثَّالِثُ : نَصْبُهُ عَلَى الْمَدْحِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ، وَدَانِيَةً بَعْدُ عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ، كَمَا يُقَالُ : عِنْدَ فُلَانٍ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ ، وَشَابَّةً بَعْدُ طَرِيَّةً ، تُضْمِرُ مَعَ هَذِهِ الْوَاوِ فِعْلًا نَاصِبًا لِلشَّابَّةِ ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَدْحُ ، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ النَّسَقُ; وَأُنِّثَتْ دَانِيَةً لِأَنَّ الظِّلَالَ جَمْعٌ . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِالتَّذْكِيرِ : ( وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ) وَإِنَّمَا ذُكِّرَ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُتَقَدْمٌ ، وَهِيَ فِي قِرَاءَةٍ فِيمَا بَلَغَنِي : ( وَدَانٍ ) رُفِعَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ .
وَقَوْلُهُ : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا يَقُولُ : وَذُلِّلَ لَهُمُ اجْتِنَاءُ ثَمَرِ شَجَرِهَا ، كَيْفَ شَاءُوا قُعُودًا وَقِيَامًا وَمُتَّكِئِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا قَالَ : إِذَا قَامَ ارْتَفَعَتْ بِقَدْرِهِ ، وَإِنْ قَعَدَ تَدَلَّتْ حَتَّى يَنَالَهَا ، وَإِنِ اضْطَجَعَ تَدَلَّتْ حَتَّى يَنَالَهَا ، فَذَلِكَ تَذْلِيلُهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا ﴾ قَالَ : لَا يَرُدُّ أَيْدِيَهُمْ عَنْهَا بُعْدٌ وَلَا شَوْكٌ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ قَالَ : الدَّانِيَةُ : الَّتِي قَدْ دَنَتْ عَلَيْهِمْ ثِمَارُهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا قَالَ : يَتَنَاوَلُهُ كَيْفَ شَاءَ جَالِسًا وَمُتَّكِئًا .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيُطَافُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأبْرَارِ بِآنِيَةٍ مِنَ الْأَوَانِي الَّتِي يَشْرَبُونَ فِيهَا شَرَابَهُمْ ، هِيَ مِنْ فِضَّةٍ كَانَتْ قَوَارِيرًا ، فَجَعَلَهَا فِضَّةً ، وَهِيَ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ ، فَلَهَا بَيَاضُ الْفِضَّةِ وَصَفَاءُ الزُّجَاجِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴾ يَقُولُ : آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، وَصَفَاؤُهَا وَتَهَيُّؤُهَا كَصَفَاءِ الْقَوَارِيرِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ فِضَّةٍ ، قَالَ : فِيهَا رِقَّةُ الْقَوَارِيرِ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَالَ : صَفَاءُ الْقَوَارِيرِ وَهِيَ مِنْ فِضَّةٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ أَيْ صَفَاءُ الْقَوَارِيرِ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَكْوَابٍ ) يَقُولُ : وَيُطَافُ مَعَ الْأَوَانِي بِجَرَارٍ ضِخَامٍ فِيهَا الشَّرَابُ ، وَكُلُّ جَرَّةٍ ضَخْمَةٍ لَا عُرْوَةَ لَهَا فَهِيَ كُوبٌ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( وَأَكْوَابٍ ) قَالَ : لَيْسَ لَهَا آذَانٌ . وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ : قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، فَقَالَ : الْأَكْوَابُ : الْأَقْدَاحُ .
وَقَوْلُهُ : كَانَتْ قَوَارِيرَا يَقُولُ : كَانَتْ هَذِهِ الْأَوَانِي وَالْأَكْوَابُ قَوَارِيرًا ، فَحَوَّلَهَا اللَّهُ فِضَّةً . وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ : وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ ، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَرْضَ الْجَنَّةِ فِضَّةٌ ، لِأَنَّ كُلَّ آنِيَةٍ تُتَّخَذُ ، فَإِنَّمَا تُتَّخَذُ مِنْ تُرْبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا ، فَدَلَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِوَصْفِهِ الْآنِيَةَ مَتَى يُطَافُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهَا مِنْ فِضَّةٍ ، لِيَعْلَمَ عِبَادُهُ أَنَّ تُرْبَةَ أَرْضِ الْجَنَّةِ فِضَّةٌ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ قَوَارِيرَ ، وَسَلَاسِلَ ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ : سَلاسِلاً وَقَوَارِيرًا ( قَوَارِيرًا ) بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَالتَّنْوِينِ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مَصَاحِفِهِمْ ، وَكَانَ حَمْزَةُ يُسْقِطُ الْأَلِفَاتِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا يُجْرِي شَيْئًا مِنْهُ ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُثْبِتُ الْأَلِفَ فِي الْأُولَى مِنْ قَوَارِيرَ ، وَلَا يُثْبِتُهَا فِي الثَّانِيَةِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا صَوَابٌ ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرْتُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَعْجَبَهُمَا إِلَيَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنَ الْقَوَارِيرِ رَأْسُ آيَةٍ ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سَائِرِ رُءُوسِ آيَاتِ السُّورَةِ أَعْجَبُ إِلَيَّ إِذْ كَانَ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفَاتِ فِي أَكْثَرِهَا .