الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا "
) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْـزِيلا ﴾( 23 ) ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾( 24 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ حِينَئِذٍ : إِنَّ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ كَانَ لَكُمْ ثَوَابًا عَلَى مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا يَقُولُ : كَانَ عَمَلُكُمْ فِيهَا مَشْكُورًا ، حَمِدَكُمْ عَلَيْهِ رَبُّكُمْ ، وَرَضِيَهُ لَكُمْ ، فَأَثَابَكُمْ بِمَا أَثَابَكُمْ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ غَفَرَ لَهُمُ الذَّنْبَ ، وَشَكَرَ لَهُمُ الْحَسَنَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : تَلَا قَتَادَةُ : وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا قَالَ : لَقَدْ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيًا قَلِيلًا . وَقَوْلُهُ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْـزِيلا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ابْتِلَاءً مِنَّا وَاخْتِبَارًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يَقُولُ : اصْبِرْ لِمَا امْتَحَنَكَ بِهِ رَبُّكَ مِنْ فَرَائِضِهِ ، وَتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ ، وَالْقِيَامِ بِمَا أَلْزَمَكَ الْقِيَامَ بِهِ فِي تَنْزِيلِهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا يَقُولُ : وَلَا تُطِعْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ آثِمًا يُرِيدُ بِرُكُوبِهِ مَعَاصِيَهُ ، أَوْ كَفُورًا : يَعْنِي جَحُودًا لِنِعَمِهِ عِنْدَهُ ، وَآلَائِهِ قِبَلَهُ ، فَهُوَ يَكْفُرُ بِهِ ، وَيَعْبُدُ غَيْرَهُ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي عُنِيَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو جَهْلٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ : لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأَطَأَنَّ عُنُقَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا قَالَ : الْآثِمُ : الْمُذْنِبُ الظَّالِمُ وَالْكَفُورُ ، هَذَا كُلُّهُ وَاحِدٌ .
وَقِيلَ : ( أَوْ كَفُورًا ) وَالْمَعْنَى : وَلَا كَفُورًا . قَالَ الْفَرَّاءُ : أَوْ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ ، وَفَى الْجَحْدِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْجَزَاءِ تَكُونُ بِمَعْنَى لَا . فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْجَحْدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ لَا وَجْدُ ثَكْلَى كَمَا وَجِدَتْ وَلَا وَجْدُ عَجُولٍ أضَلَّها رُبَعُ أَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أضَلَّ ناقَتَهُ يَوْمَ تَوَافَى الْحَجِيجُ فانْدَفَعُوا أَرَادَ : وَلَا وَجْدُ شَيْخٍ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ فِي الْعَرَبِيَّةِ : لَا تُطِيعَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَثِمَ أَوْ كَفَرَ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي أَوْ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى الْوَاوِ ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ : لَأُعْطِيَنَّكَ سَأَلْتَ أَوْ سَكَتَّ ، مَعْنَاهُ : لَأُعْطِيَنَّكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ .