الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ "
) ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾( 2 ) ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾( 3 ) كَلا سَيَعْلَمُونَ ( 4 ) ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾( 5 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَسَاءَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ قُرَيْشٍ يَا مُحَمَّدُ ، وَقِيلَ ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا جَعَلَتْ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهَا تَخْتَصِمُ وَتَتَجَادَلُ فِي الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِهِ ، وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : فِيمَ يَتَسَاءَلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَيَخْتَصِمُونَ ، وَ فِي وَ عَنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَّرَّاحِ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلُوا يَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ يَعْنِي : الْخَبَرَ الْعَظِيمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ، ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الَّذِي يَتَسَاءَلُونَهُ ، فَقَالَ : يَتَسَاءَلُونَ ﴿عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ ﴾: يَعْنِي : عَنِ الْخَبَرِ الْعَظِيمِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالنَّبَأِ الْعَظِيمِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُرِيدَ بِهِ الْقُرْآنُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ قَالَ : الْقُرْآنُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهِ الْبَعْثُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ وَهُوَ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ قَالَ : النَّبَأُ الْعَظِيمُ : الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ٢ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ قَالَ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ; قَالَ : قَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّا نَحْيَا فِيهِ وَآبَاؤُنَا ، قَالَ : فَهُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ، لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ، فَقَالَ اللَّهُ : بَلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعَرِضُونَ ﴾: يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ : عَمَّ يَتَحَدَّثُ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْقُرْآنِ ، ثُمَّ أَجَابَ فَصَارَتْ عَمَّ كَأَنَّهَا فِي مَعْنَى : لِأَيِّ شَيْءٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ فَقَالَ : ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ بَيِّنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ ، فَذَلِكَ إِخْلَافُهُمْ ، وَقَوْلُهُ : ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الَّذِي صَارُوا هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فَرِيقَيْنِ : فَرِيقٌ بِهِ مُصَدِّقٌ ، وَفَرِيقٌ بِهِ مُكَذِّبٌ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَتَسَاؤُلُهُمْ بَيْنَهُمْ فِي النَّبَأِ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : عَنِ النَّبَأِ ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَصَارَ النَّاسُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ : مُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ ، فَأَمَّا الْمَوْتُ فَقَدْ أَقَرُّوا بِهِ لِمُعَايَنَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ صَارَ النَّاسُ فِيهِ رَجُلَيْنِ : مُصَدِّقٌ ، وَمُكَذِّبٌ ، فَأَمَّا الْمَوْتُ فَإِنَّهُمْ أَقَرُّوا بِهِ كُلُّهُمْ لِمُعَايَنَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ قَالَ : مُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ . وَقَوْلُهُ : ( كَلَّا ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْثَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ مَمَاتِهِمْ ، وَتَوَعَّدَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : ( سَيَعْلَمُونَ ) يَقُولُ : سَيَعْلَمُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُنْكِرُونَ وَعِيدَ اللَّهِ أَعْدَاءَهُ ، مَا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ أَكَّدَ الْوَعِيدَ بِتَكْرِيرٍ آخَرَ ، فَقَالَ : مَا الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُحْيِيهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ ، وَلَا مُعَاقِبُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ ، سَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقَوْلَ غَيْرُ مَا قَالُوا إِذَا لَقُوا اللَّهَ ، وَأَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ . وَذُكِرَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ كَلا سَيَعْلَمُونَ الْكَفَّارُ ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا .