الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ "
) ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾( 15 ) ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾( 16 ) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾( 17 ) ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾( 18 ) ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾( 19 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنَّ الْفُجَّارَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لَفِي جَحِيمٍ . وَقَوْلُهُ : ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَصْلَى هَؤُلَاءِ الْفُجَّارُ الْجَحِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَوْمَ يُدَانُ الْعِبَادُ بِالْأَعْمَالِ ، فَيُجَازَوْنَ بِهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : يَوْمَ الدِّينِ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عَظَّمَهُ اللَّهُ ، وَحَذَّرَهُ عِبَادَهُ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَا هَؤُلَاءِ الْفُجَّارُ مِنَ الْجَحِيمِ بِخَارِجِينَ أَبَدًا ، فَغَائِبِينَ عَنْهَا ، وَلَكِنَّهُمْ فِيهَا مُخَلَّدُونَ مَاكِثُونَ ، وَكَذَلِكَ الْأَبْرَارُ فِي النَّعِيمِ ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ : وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ .
وَقَوْلِهِ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أَدْرَاكَ يَا مُحَمَّدُ ، أَيْ وَمَا أَشْعَرَكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ؟ يَقُولُ : أَيُّ شَيْءٍ يَوْمُ الْحِسَابِ وَالْمُجَازَاةِ ، مُعَظِّمًا شَأْنَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ، بِقِيلِهِ ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ تَعْظِيمًا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، يَوْمَ تُدَانُ فِيهِ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ يَقُولُ : ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ أَشْعَرَكَ يَوْمَ الْمُجَازَاةِ وَالْحِسَابِ يَا مُحَمَّدُ ، تَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ ، ثُمَّ فَسَّرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْضَ شَأْنِهِ فَقَالَ : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا يَقُولُ : ذَلِكَ الْيَوْمُ ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ يَقُولُ : يَوْمَ لَا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ، فَتَدْفَعُ عَنْهَا بَلِيَّةً نَزَلَتْ بِهَا ، وَلَا تَنْفَعُهَا بِنَافِعَةٍ ، وَقَدْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا تَحْمِيهَا ، وَتَدْفَعُ عَنْهَا مَنْ بَغَاهَا سُوءًا ، فَبَطَلَ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ صَارَ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ ، وَلَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ ، وَاضْمَحَلَّتْ هُنَالِكَ الْمَمَالِكُ ، وَذَهَبَتِ الرِّيَاسَاتُ ، وَحَصَلَ الْمُلْكُ لِلْمَلِكِ الْجَبَّارِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَقُولُ : وَالْأَمْرُ كُلُّهُ يَوْمَئِذٍ ، يَعْنِي : الدِّينُ لِلَّهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ قَالَ : لَيْسَ ثَمَّ أَحَدُّ يَوْمَئِذٍ يَقْضِي شَيْئًا ، وَلَا يَصْنَعُ شَيْئًا إِلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ وَالْأَمْرُ وَاللَّهِ الْيَوْمَ لِلَّهِ ، وَلَكِنَّهُ يَوْمَئِذٍ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ بِنَصْبِ ( يَوْمَ ) إِذْ كَانَتْ إِضَافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ بِضَمِّ ( يَوْمُ ) وَرَفْعِهِ رَدًّا عَلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَالرَّفْعُ فِيهِ أَفْصَحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَوْمَ مُضَافٌ إِلَى يَفْعَلُ ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَضَافَتِ الْيَوْمَ إِلَى تَفْعَلُ أَوْ يَفْعَلُ أَوْ أَفْعَلُ ، رَفَعُوهُ فَقَالُوا : هَذَا يَوْمُ أَفْعَلُ كَذَا ، وَإِذَا أَضَافَتْهُ إِلَى فِعْلٍ مَاضٍ نَصَبُوهُ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا وَقُلْتُ ألَمَّا تَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ .