الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ "
) ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴾( 16 ) ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾( 17 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ، مِنْ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَةً ، إِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ عَنْ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ ، فَلَا يَرَوْنَهُ ، وَلَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ كَرَامَتِهِ يَصِلُ إِلَيْهِمْ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ كَرَامَتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ خُلَيْدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ هُوَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ ، قَالَ : ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، قَالَ : ثَنِي نَمِرَانُ أَبُو الْحَسَنِ الذِّمَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَلِيكَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قَالَ : الْمَنَّانُ وَالْمُخْتَالُ وَالَّذِي يَقْتَطِعُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِيَمِينِهِ بِالْبَاطِلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْمُنْقِرِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ قَالَ : يُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ يَوْمٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ عَنْ رُؤْيَتِهِ مَحْجُوبُونَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الْحِجَابُ عَنْ كَرَامَتِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الْحِجَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِذَلِكَ الْحِجَابُ عَنْ مَعْنًى مِنْهُ دُونَ مَعْنًى ، وَلَا خَبَرَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَتْ حُجَّتُهُ .
فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ : هُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ ، وَعَنْ كَرَامَتِهِ إِذْ كَانَ الْخَبَرُ عَامًّا ، لَا دَلَالَةَ عَلَى خُصُوصِهِ . وَقَوْلُهُ : إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ثُمَّ إِنَّهُمْ لَوَارِدُو الْجَحِيمِ ، فَمَشْوِيُّونَ فِيهَا ، ثُمَّ يُقَالُ : هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ : هَذَا الْعَذَابُ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ الْيَوْمَ ، هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تُخْبَرُونَ أَنَّكُمْ ذَائِقُوهُ ، فَتُكَذِّبُونَ بِهِ ، وَتُنْكِرُونَهُ ، فَذُوقُوهُ الْآنَ ، فَقَدْ صُلِيتُمْ بِهِ .