الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ "
) ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾( 12 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَقُولُ : وَعَمِلُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَأْتَمَرُوا لِأَمْرِهِ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَقُولُ : لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالْخَمْرُ وَاللَّبَنُ وَالْعَسَلُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ يَقُولُ : هَذَا الَّذِي هُوَ لِهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ ، هُوَ الظُّفْرُ الْكَبِيرُ بِمَا طَلَبُوا وَالْتَمَسُوا بِإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا ، وَعَمَلِهِمْ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِيهَا وَرَضِيَهُ مِنْهُمْ . وَقَوْلُهُ : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ بَطَشَ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ ، وَهُوَ انْتِقَامُهُ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ لَشَدِيدٌ ، وَهُوَ تَحْذِيرٌ مِنَ اللَّهِ لِقَوْمِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يُحِلَّ بِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ وَنِقْمَتِهِ ، نَظِيرَ الَّذِي حَلَّ بِأَصْحَابِ الْأُخْدُودِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ ، وَفِتْنَتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنْهُمْ .