الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا "
) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾( 10 ) ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾( 11 ) ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾( 12 ) ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴾( 13 ) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴾( 14 ) ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾( 15 ) . قَوْلُهُ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ يَقُولُ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ ، فَكَثَّرَ تَطْهِيرَهَا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي ، وَأَصْلَحَهَا بِالصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ يَقُولُ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ قَالُوا : مَنْ أَصْلَحَهَا . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عِكْرِمَةَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا زَكَّاهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ قَالَ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِعَمِلٍ صَالِحٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ يَقُولُ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ .
وَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْقَسَمِ ; كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : قَدْ وَقَعَ الْقَسَمُ هَاهُنَا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا تَقُولُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ قَبْلُ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَدْ خَابَ فِي طَلِبَتِهِ ، فَلَمْ يُدْرِكْ مَا طَلَبَ وَالْتَمَسَ لِنَفْسِهِ مِنَ الصَّلَاحِ مَنْ دَسَّاهَا يَعْنِي : مَنْ دَسَّسَ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأَخْمَلَهَا ، وَوَضَعَ مِنْهَا بِخُذْلَانِهِ إِيَّاهَا عَنِ الْهُدَى حَتَّى رَكِبَ الْمَعَاصِيَ ، وَتَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ . وَقِيلَ : دَسَّاهَا وَهِيَ دَسَّسَهَا ، فَقُلِبَتْ إِحْدَى سِينَاتِهَا يَاءً ، كَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ : تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ يُرِيدُ : تَقَضُّضُ .
وَتَظَنَّيْتُ هَذَا الْأَمْرَ ، بِمَعْنَى : تَظَنَّنَتْ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا ، فَتُبَدِّلُ فِي الْحِرَفِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْضَ حُرُوفِهِ ، يَاءً أَحْيَانًا ، وَوَاوًا أَحْيَانًا ; وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ : يَذْهَبُ بِي فِي الشِّعْرِ كُلَّ فَنَّ حَتَّى يَرُدَّ عَنِّي التَّظَنِّي يُرِيدُ : التَّظَنُّنُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ يَقُولُ : وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّى اللَّهُ نَفْسَهُ فَأَضَلَّهُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ يَعْنِي : تَكْذِيبُهَا . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَغْوَاهَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَضَلَّهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ قَالَ : أَضَلَّهَا ، وَقَالَ سَعِيدٌ : مَنْ أَغْوَاهَا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : مَنْ دَسَّاهَا قَالَ : أَغْوَاهَا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ قَالَ : أَثَّمَّهَا وَأَفْجَرَهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَقَدْ خَابَ يَقُولُ : وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّى اللَّهُ نَفْسَهُ . وَقَوْلُهُ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ يَقُولُ : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطُغْيَانِهَا ، يَعْنِي : بِعَذَابِهَا الَّذِي وَعَدَهُمُوهُ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَكَانَ ذَلِكَ الْعَذَابُ طَاغِيًا طَغَى عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ ، قَالَ : ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِلَسْطِينِيُّ ، قَالَ : ثَنِي يَزِيدُ بْنُ سَمُرَةَ الْمَذْحِجِيُّ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ قَالَ : اسْمُ الْعَذَابِ الَّذِي جَاءَهَا ، الطَّغْوَى ، فَقَالَ : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذَابِهَا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ أَيْ : الطُّغْيَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ قَالَ : مَعْصِيَتُهَا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ قَالَ : بُغْيَانُهُمْ وَبِمَعْصِيَتِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ بِأَجْمَعِهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ قَالَ : بِأَجْمَعِهَا . حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : ثَنِي عُمَارَةَ بْنُ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، مِثْلَهُ . وَقِيلَ ( طَغْوَاهَا ) بِمَعْنَى : طُغْيَانُهُمْ ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ رُءُوسِ الْآيِ ؛ إِذْ كَانَتِ الطَّغْوَى أَشْبَهُ بِسَائِرِ رُءُوسِ الْآيَاتِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، وَذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِهِ : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ بِمَعْنَى : وَآخِرُ دُعَائِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ يَقُولُ : إِذْ ثَارَ أَشْقَى ثَمُودَ ، وَهُوَ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ . كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا الطُّفَاوِيُّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ، قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ النَّاقَةُ ، وَالَّذِي عَقَرَهَا ، فَقَالَ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ ، مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ ، مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَا : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ يَعْنِي أُحَيْمِرَ ثَمُودَ .
وَقَوْلُهُ : فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : صَالِحًا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِثَمُودَ صَالِحٌ : نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقِيَاهَا ، وَإِنَّمَا حَذَّرَهُمْ سُقِيَا النَّاقَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدُّمُ إِلَيْهِمْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ ، أَنَّ لِلنَّاقَةِ شِرْبُ يَوْمٍ ، وَلَهُمْ شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ ، غَيْرَ يَوْمِ النَّاقَةِ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَكَمَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴾ قَسْمُ اللَّهِ الَّذِي قَسَمَ لَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ . وَقَوْلُهُ : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا يَقُولُ : فَكَذَّبُوا صَالِحًا فِي خَبَرِهِ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي جَعَلَ شِرْبَ النَّاقَةِ يَوْمًا ، وَلَهُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، وَأَنَّ اللَّهَ يُحِلُّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ ، إِنْ هُمْ عَقَرُوهَا ، كَمَا وَصَفَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَالَ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ بِالْعَقْرِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، جَازَ تَقْدِيمُ التَّكْذِيبِ قَبْلَ الْعَقْرِ ، وَالْعَقْرِ قَبْلَ التَّكْذِيبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ وَقَعَ عَنْ سَبَبٍ حَسُنَ ابْتِدَاؤُهُ قَبْلَ السَّبَبِ وَبَعْدَهُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَعْطَيْتَ فَأَحْسَنْتَ ، وَأَحْسَنْتَ فَأَعْطَيْتَ ; لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ هُوَ الْإِحْسَانُ ، وَمِنَ الْإِحْسَانِ الْإِعْطَاءُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَقْرُ هُوَ سَبَبُ التَّكْذِيبِ ، جَازَ تَقْدِيمٌ ؛ أَيْ : ذَلِكَ شَاءَ الْمُتَكَلِّمُ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : ( فَكَذَّبُوهُ ) كَلِمَةٌ مُكْتَفِيَةٌ بِنَفْسِهَا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( فَعَقَرُوهَا ) جَوَابٌ لِقَوْلِهِ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ كَأَنَّهُ قِيلَ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾فَعَقَرَهَا ، فَقَالَ : وَكَيْفَ قِيلَ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا وَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ قَبْلَ قَتْلِ النَّاقَةِ مُسَلِّمِينَ ، لَهَا شِرْبُ يَوْمٍ ، وَلَهُمْ شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ . قِيلَ : جَاءَ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ بَعْدَ تَسْلِيمِهِمْ ذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِهَا الشُّرْبَ ، وَرَضُوا بِقَتْلِهَا ، وَعَنْ رِضَا جَمِيعِهِمْ قَتَلَهَا قَاتِلُهَا ، وَعَقَرَهَا مَنْ عَقَرَهَا وَلِذَلِكَ نُسِبَ التَّكْذِيبُ وَالْعَقْرُ إِلَى جَمِيعِهِمْ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا .
وَقَوْلُهُ : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ ذَلِكَ ، وَكُفْرِهِمْ بِهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ صَالِحًا ، وَعَقْرِهِمْ نَاقَتَهُ ( فَسَوَّاهَا ) يَقُولُ : فَسَوَّى الدَّمْدَمَةُ عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ . كَمَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أُحَيْمِرَ ثَمُودَ أَبَى أَنْ يَعْقِرَهَا ، حَتَّى بَايَعَهُ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ ، وَذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ، فَلَمَّا اشْتَرَكَ الْقَوْمُ فِي عَقْرِهَا دَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا . حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ آدَمَ ، قَالَ : ثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ طَلَبُوا فَصِيلَهَا ، فَصَارَ فِي قَارِةِ الْجَبَلِ ، فَقَطَعَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : لَا يَخَافُ تَبِعَةَ دَمْدَمَتِهِ عَلَيْهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : لَا يَخَافُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ تَبِعَةً . حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ ، قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا عُمَرُ بْنُ مَرْثَدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : ذَاكَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لَا يَخَافُ تَبِعَةَ مِمَّا صَنَعَ بِهِمْ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُنَبِّهٍ ، هَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِي ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : ذَلِكَ الرَّبُّ صَنَعَ ذَلِكَ بِهِمْ ، وَلَمْ يَخَفْ تَبِعَةً . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : لَا يَخَافُ تَبِعَتَهُمْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ يَقُولُ : لَا يَخَافُ أَنْ يُتْبَعَ بِشَيْءٍ مِمَّا صَنَعَ بِهِمْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾. وَقَالَ الْحَارِثُ فِي حَدِيثِهِ : اللَّهُ لَا يَخَافُ عُقْبَاهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا رَزِينُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَزْنِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : لَا يَخَافُ اللَّهُ التَّبِعَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَهَا عُقْبَاهَا ؛ أَيْ : عُقْبَى فِعْلَتِهِ الَّتِي فَعَلَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، قَالَ : ثَنَا الضَّحَّاكُ ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَهَا عُقْبَاهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَهَا عُقْبَاهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ قَالَ : الَّذِي لَا يَخَافُ الَّذِي صَنَعَ ، عُقْبَى مَا صَنَعَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا بِالْفَاءِ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ فِي الْمِصْرَيْنِ بِالْوَاوِ ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، غَيْرُ مُخْتَلِفِي الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي إِمَالَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا ، كَقَوْلِهِ : ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ﴾ وَمَا طَحَاهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَكَانَ يَفْتَحُ ذَلِكَ كُلَّهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ، وَيُمِيلُونَ مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ ، غَيْرُ عَاصِمٍ وَالْكِسَائِيِّ ، فَإِنَّ عَاصِمًا كَانَ يَفْتَحُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَذَوَاتِ الْيَاءِ ، لَا يُضْجِعُ مِنْهُ شَيْئًا . وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَكْسِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ . وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَنْظُرُ إِلَى اتِّسَاقِ رُءُوسِ الْآيِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَّسِقَةً عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ أَمَالَ جَمِيعَهَا ، وَأَمَّا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُمِيلُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْإِمَالَةِ الشَّدِيدَةِ ، وَلَا يَفْتَحُونَهُ الْفَتْحَ الشَّدِيدَ ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ وَأَفْصَحُ ذَلِكَ وَأَحْسَنَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ابْتِدَاءِ السُّورَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ رُءُوسَهَا بِالْيَاءِ أَجْرَى جَمِيعَهَا بِالْإِمَالَةِ غَيْرِ الْفَاحِشَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ رُءُوسَهَا بِالْوَاوِ فُتِحَتْ وَجَرَى جَمِيعُهَا بِالْفَتْحِ غَيْرِ الْفَاحِشِ ، وَإِذَا انْفَرَدَ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ أُمِيلُ ذَوَاتَ الْيَاءِ الْإِمَالَةَ الْمُعْتَدِلَةَ ، وَفَتَحَ ذَوَاتَ الْوَاوِ الْفَتْحَ الْمُتَوَسِّطَ ، وَإِنَّ أُمِيلَتْ هَذِهِ ، وَفُتِحَتْ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ لَحْنًا ، غَيْرَ أَنَّ الْفَصِيحَ مِنَ الْكَلَامِ هُوَ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا