الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالضُّحَى "
) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾( 2 ) ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾( 3 ) ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ﴾( 4 ) ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾( 5 ) ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾( 6 ) ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ﴾( 7 ) ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴾( 8 ) . أَقْسَمَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالضُّحَى ، وَهُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ ، وَأَحْسِبُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : ضَحِيَ فُلَانٌ لِلشَّمْسِ : إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ﴾ أَيْ : لَا يُصِيبُكَ فِيهَا الشَّمْسَ . وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا مَعَ ذِكْرِي اخْتِيَارَنَا فِيهِ .
وَقِيلَ : عُنِيَ بِهِ وَقْتُ الضُّحَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَالضُّحَى ) سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَاللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ بِظَلَامِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ يَقُولُ : وَاللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ قَالَ : إِذَا لَبِسَ النَّاسَ ، إِذَا جَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا ذَهَبَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ يَقُولُ : إِذَا ذَهَبَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : إِذَا اسْتَوَى وَسَكَنَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ; وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ قَالَ : إِذَا اسْتَوَى .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ قَالَ : إِذَا اسْتَوَى . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ سَكَنٌ بِالْخَلْقِ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ يَعْنِي : اسْتِقْرَارَهُ وَسُكُونَهُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ قَالَ : إِذَا سَكَنَ ، قَالَ : ذَلِكَ سَجْوُهُ ، كَمَا يَكُونُ سُكُونُ الْبَحْرِ سَجْوَهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : وَاللَّيْلُ إِذَا سَكَنَ بِأَهْلِهِ ، وَثَبَتَ بِظَلَامِهِ ، كَمَا يُقَالُ : بَحْرُ سَاجٍ : إِذَا كَانَ سَاكِنًا ; وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ : فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكُمْ وَبَحْرُكَ سَاجٍ مَا يُوَارِي الدَّعَامِصَا وَقَوْلُ الرَّاجِزُ : يَا حَبَّذَا الْقَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلَاءِ النَّسَّاجْ . وَقَوْلُهُ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ وَهَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ ، وَمَعْنَاهُ : مَا تَرَكَكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ .
وَقِيلَ : وَمَا قَلَى وَمَعْنَاهُ : وَمَا قَلَاكَ ، اكْتِفَاءٌ بِفَهْمِ السَّامِعِ لِمَعْنَاهُ ؛ إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا وَدَّعَكَ فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ يَقُولُ : مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ ، وَمَا أَبْغَضَكَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ قَالَ : مَا قَلَاكَ رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ ; قَالَ : وَالْقَالِي : الْمُبْغِضُ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ قُرَيْشًا فِي قَيْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ، لَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُّ : قَدْ وَدَّعَ مُحَمَّدًا رَبُّهُ وَقَلَاهُ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّهَانُ ، قَالَ : ثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ ، أَوْ مِنْ قَوْمِهِ : وَدَّعَ الشَّيْطَانُ مُحَمَّدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : ( وَالضُّحَى ) .
إِلَى قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ : هُوَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّامَغَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْقَطَّانُ ، قَالَا ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ سَمِعَ جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ يَقُولُ : أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَدَّعَ مُحَمَّدًا رَبُّهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَسَوْدِ بْنِ قَيْسٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا الْبَجْلِيَّ قَالَ : قَالَتِ امْرَأَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا قَدْ أَبْطَأَ عَنْكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَسَوْدِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ ، فَنَزَلَتْ : وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : ثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ قَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ، مَا نَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ فَوَدَّعَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا تَسْمَعُ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ قَالَ : أَبْطَأُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : قَدْ قَلَاهُ رَبُّهُ وَوَدَّعَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ مَكَثَ جِبْرِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : قَدْ وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا ، فَعُيِّرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ، وَقَالَتْ خَدِيجَةُ : أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ ، مِمَّا نَرَى مِنْ جَزَعِكَ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. إِلَى آخِرِهَا .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِلدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدَّارِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . يَقُولُ : فَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا ، فَإِنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْهَا . وَقَوْلُهُ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَسَوَّفَ يُعْطِيكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ فَوَاضِلِ نِعَمِهِ ، حَتَّى تَرْضَى .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي وَعَدَهُ مِنَ الْعَطَاءِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا ، فَسُرَّ بِذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفُ قَصْرٍ ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : ثَنِي رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ قَالَ : أَلْفُ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ ، تُرَابَهُنَّ الْمِسْكُ ، وَفِيهِنَّ مَا يُصْلِحُهُنَّ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ ، قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ قَالَ : مِنْ رِضَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ . وَقَوْلُهُ : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَدِّدًا عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعَمَهُ عِنْدَهُ ، وَمُذَكِّرُهُ آلَاءَهُ قِبَلَهُ : أَلَمْ يَجِدْكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ يَتِيمًا فَآوَى ، يَقُولُ : فَجَعَلَ لَكَ مَأْوًى تَأْوِي إِلَيْهِ ، وَمَنْزِلاً تَنْزِلُهُ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ﴾ وَوَجَدَكَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ . وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَوَجَدَكَ ضَالا قَالَ : كَانَ عَلَى أَمْرِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا .
وَقِيلَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : وَوَجَدَكَ فِي قَوْمٍ ضُلَّالٍ فَهَدَاكَ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴾ يَقُولُ : وَوَجَدَكَ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ ، يُقَالُ مِنْهُ : عَالَ فُلَانٌ يَعِيلُ عَيْلَةً ، وَذَلِكَ إِذَا افْتَقَرَ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غَنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ يَعْنِي : مَتَى يَفْتَقِرُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَقِيرًا . وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَآوَى ) . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴾ قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .