بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لِلَّذِي حَلَفَ عِنْدَهُ لِخَصْمِهِ الَّذِي كَانَ خَاصَمَهُ إلَيْهِ فِيمَا كَانَ ادَّعَى عَلَيْهِ أَمَا إنَّك قَدْ فَعَلْت فَادْفَعْ إلَيْهِ حَقَّهُ
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ( قَوْلِهِ لِلَّذِي حَلَفَ عِنْدَهُ لِخَصْمِهِ الَّذِي كَانَ خَاصَمَهُ إلَيْهِ فِيمَا كَانَ ادَّعَى عَلَيْهِ : أَمَا إنَّك قَدْ فَعَلْت ، فَادْفَعْ إلَيْهِ حَقَّهُ ، وَسَتُكَفِّرُ عَنْك لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَا صَنَعْت ) . 494 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّالِبَ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ ، فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّك قَدْ فَعَلْت ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ بِقَوْلِك : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) . 495 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْكُوفِيُّ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ لِلْمُدَّعِي : أَقِمْ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ يُقِمْ .
فَقَالَ لِلْآخَرِ : احْلِفْ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ادْفَعْ إلَيْهِ حَقَّهُ ، وَسَتُكَفِّرُ عَنْكَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَا صَنَعْت ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَدْ غُفِرَ بِهَا لِلْحَالِفِ بِهَا يَمِينُهُ عَلَى مَا قَدْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ مَا حَلَفَ بِهَا عَلَيْهِ .
فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُ ؟ فَذَكَرَ : . 496 - مَا حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَامِعٍ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) الْآيَةَ . 497 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) .
498 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبُوهُ كَعْبٌ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا قَالَ : ( حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ لِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : كُنْت أَنَا وَأَبُوك كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَأَخُوك مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قُعُودًا عِنْدَ هَذِهِ السَّارِيَةِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الرَّجُلَ يَحْلِفُ عَلَى مَالِ الرَّجُلِ فَيَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ كَاذِبًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَيُّمَا رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى مَالِ رَجُلٍ كَاذِبًا فَاقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ ، وَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ . فَقَالَ أَخُوك مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا .
قَالَ : فَقَلَّبَ سِوَاكًا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَقَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ ، أَوْ وَإِنْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ ) . 499 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ، حَدَّثَنِي طَارِقٌ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى مَالِ آخَرَ فَيَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ ، قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ ) . 500 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرِّيَاحِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْح ، عَنْ الْحَارِثِ ابْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ : ( سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَقُولُ ، وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ جَمْرَتَيْنِ مِنْ الْجِمَارِ ، مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ أَخِيهِ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ ) .
501 - وَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي الْخُوَارِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ الْبَرْصَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) . 502 - حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ قَالُوا : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ . قَالَهَا ثَلَاثًا ) .
503 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَنَّادٍ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَوْ عَنْ عَمِّهِ - شَكَّ سُفْيَانُ - أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، وَهُوَ لَهُ مَاقِتٌ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا قَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ ، فَقَالَ : هَذَا الْقَائِلُ فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مَا فِيهَا ، وَالْحَالِفُ بِهَا فقَدْ وَحَّدَ اللَّهَ فِي حَلِفِهِ بِهَا ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ إلَهٌ غَيْرُهُ ، فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ الْوَعِيدُ عِنْدَ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ الْوَعِيدَ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَعِيدُ اللَّهِ إيَّاهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ الْآيَةَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَقْبَلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَعْنِي الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا هَذَا وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضِدٌّ لِلصِّنْفِ الْآخَرِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي عَارَضَنَا بِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ إنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي شَيْءٍ فَدَعَا الْمُدَّعِيَ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهَا ، فَاسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَفَ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَلَفَ عَلَى مَا قَدْ كَانَ عِنْدَهُ كَمَا قَدْ حَلَفَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ عَنْهُ مَا قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِيهِ ، وَمَا فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ خِلَافُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ حَقِّ خَصْمِهِ إلَى خَصْمِهِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ الْحَلِفِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى . فَقَالَ هَذَا الْمُعَارِضُ : وَكَيْفَ يَكُونُ مَا ذَكَرْتُمْ كَمَا وَصَفْتُمْ مِنْ احْتِمَالِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنْ حَلِفِ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَمِمَّا هُوَ نَاسٍ لَهُ . وَقَدْ رَوَيْتُمْ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِيُكَفَّرَ بِهَا عَمَّنْ يُكَفَّرُ بِهَا عَنْهُ مَا قَدْ كَانَ مِنْهُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْخُرُوجِ مِنْ طَاعَاتِهِ إلَى أَضْدَادِهَا لَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ .
وَالْحَالِفُ عَلَى النِّسْيَانِ فَخَارِجٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا شَكَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ حَلِفًا عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ قَدْ تَجِبُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا آثَامَ فِيهَا عَلَى مَنْ كَانَتْ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً إلَى قَوْله : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِقَتْلِهِ آثِمًا . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً ، أَوْ نَامَ عَنْهَا .
504 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا ) . 505 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ دَاوُد قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ) . وَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ خَاصَّةً قَالَ هَمَّامٌ : ثُمَّ سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ بِهِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَقَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ، وَفِي حَدِيثِ فَهْدٍ ( لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ ) .
فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَا قَدْ أُمِرَ بِهِ النَّاسِي لِلصَّلَاةِ وَالنَّائِمُ عَنْهَا كَفَّارَةٌ لَهُمَا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا فِيهِ ، وَقَدْ كَانَا قَبْلُ مَأْثُومَيْنِ . وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا فِي الْقَاتِلِ خَطَأً ، مِمَّا قَدْ جُعِلَ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَإِخْبَارِ اللَّهِ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ تَوْبَةٌ مِنْ اللَّهِ يَعْنِي عَنْ الْقَاتِلِ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَاتِ قَدْ تَجِبُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْآثَامِ .
فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الْحَالِفِ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي كَانَ فِيهِ غَيْرَ مَأْثُومٍ ، وَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ مِنْ تَوْحِيدِهِ اللَّهَ تَعَالَى ، وَمِنْ نَفْيِهِ أَنْ يَكُونَ آلَهُ سِوَاهُ ، كَفَّارَةٌ عَمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقِفَ مِنْ رَجُلٍ عَلَى كَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي قَدْ وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا النَّارَ ، ثُمَّ لَا يَأْمُرُهُ بِالتَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ مِنْهَا ، وَالْعَمَلِ بَعْدَهَا بِمَا عَسَى أَنْ يَسْتَنْقِذَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ النَّارِ . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّ الْحَلِفَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْحَالِفِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ ذَهَابِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ، مِمَّا قَدْ كَانَ فَعَلَهُ عَنْهُ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْأُخَرَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا الْوَعِيدُ الْمُوَافِقُ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ اللَّهِ هُوَ عَلَى مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا قَاصِدًا بِيَمِينِهِ إلَى اقْتِطَاعِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ . فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرِفٌ إلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الصِّنْفُ الْآخَرُ مِنْهُمَا ، غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى : 506 - مَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِرَجُلٍ : أَيْ فُلَانُ ، أَفَعَلْت كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : لَا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا فَعَلْته ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : قَدْ فَعَلَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ بالِإِخْلَاصِ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) . فَهَذَا مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ حَلِفُهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عِنْدَهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَذَهَبَ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فَعَلَهُ ، وَقَدْ فَعَلَهُ فِي الْحَقِيقَةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْإِثْمَ فِي ذَلِكَ ، فَلَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ تَوْحِيدَهُ إيَّاهُ وَإِخْلَاصَهُ لَهُ كَفَّارَةً لِمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .