بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَسَدِ هَلْ يَتَّسِعُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ أَمْ لَا
بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَسَدِ ، هَلْ يَتَّسِعُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ أَمْ لَا . 507 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، ( عَنْ أَوْسَطَ الْبَجَلِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبُ فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَطَبَنَا عَامَ أَوَّلَ ، ثُمَّ بَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : سَلُوا اللَّهَ الْمُعَافَاةَ ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطُوا بَعْدَ الْيَقِينِ شَيْئًا ، هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُعَافَاةِ ) ، وَفِيهِ ( أَلَا وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ، فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ ، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ ، وَهُمَا فِي النَّارِ ، لَا تَدَابَرُوا ، وَلَا تَقَاطَعُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) . 508 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) .
فَفِيمَا رَوَيْنَا النَّهْيُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ الْحَسَدِ نَهْيًا مُطْلَقًا ، وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَمِنْ أَيْنَ انْطَلَقَ لَكُمْ مَعَ هَذَا أَنْ تَقْبَلُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ رَوَيْتُمُوهُ عَنْهُ لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؟ وَذَكَرَ : . 512 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَبَكَّارٌ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( لَا تَحَاسَد إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ) .
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ : أَنَّ الْحَسَدَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : فَقِسْمٌ مِنْهُمَا حَسَدٌ لِمَنْ أُوتِيَ شَيْئًا عَلَى مَا أُوتِيَهُ مِنْهُ وَتَمَنٍّ مِنْ الْحَاسِدِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَهُ دُونَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ ، فَذَلِكَ مَا هُوَ مَذْمُومٌ مِمَّنْ يَكُونُ مِنْهُ . وَقِسْمٌ مِنْهُمَا : حَسَدٌ لِمَنْ آتَاهُ اللَّهُ شَيْئًا وَتَمَنٍّ مِنْ الْحَاسِدِ أَنْ يُؤْتَى مِثْلَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ مِنْ الْمَحْسُودِ حَتَّى يَخْلُوَ مِنْهُ ، وَيَكُونَ لِلَّذِي حَسَدَهُ دُونَهُ . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَى قَوْلِهِ : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ حَتَّى يُؤْتِيَكُمْ مِثْلَهُ ، وَيَبْقَى مَنْ حَسَدْتُمُوهُ مَعَهُ مَا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ غَيْرَ مُسْتَنْقِصٍ مِنْهُ شَيْئًا .
فَكَانَ الْحَسَدُ الَّذِي فِيهِ تَمَنِّي نَقْلِ الشَّيْءِ الْمَحْسُودِ عَلَيْهِ عَمَّنْ آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ إلَى حَاسِدِهِ عَلَيْهِ مَذْمُومًا ، وَالْحَسَدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ التَّمَنِّي ، وَإِنَّمَا فِيهِ حَسَدُ الْحَاسِدِ الْمَحْسُودَ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ حَتَّى يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ مِثْلَهُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةٍ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَآتَاهُ مَالًا ، فَهُوَ يَعْمَلُ فِي مَالِهِ بِعِلْمِهِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْمَالِ مِثْلُ مَا لِفُلَانٍ لَفَعَلْت فِيهِ الَّذِي يَفْعَلُ أَيْ : فِي مَالِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ ) . وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ .
فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ لِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَسَدَيْنِ - مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِيهِ فَذَمَّ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يَذُمَّ عَلَى الْآخَرِ - مُتَبَايِنَانِ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ ، وَفِي الْآخَرِ مَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .