بَاب تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ 1 أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ . قَوْله ( إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدكُمْ مِنْ نَوْمه ) الظَّاهِر أَنَّ الْمَقْصُود إِذَا شَكَّ أَحَدكُمْ فِي يَدَيْهِ مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ لِأَجْلِ الِاسْتِيقَاظ مِنْ النَّوْم أَوْ لِأَمْرٍ آخَر ، إِلَّا أَنَّهُ فَرَضَ الْكَلَام فِي جُزْئِيّ واقِع بَيْنهمْ عَلَى كَثْرَة لِيَكُونَ بَيَان الْحُكْم فِيهِ بَيَانًا فِي الْكُلِّيّ بِدَلَالَةِ الْعَقْل ، فَفِيهِ إِحَالَة لِلْأَحْكَامِ إِلَى الِاسْتِنْبَاط ونَوْطه بِالْعِلَلِ ، فَقَالُوا فِي بَيَان سَبَب الْحَدِيث أَنَّ أَهْل الْحِجَاز كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْحِجَارَةِ وبِلَادهمْ حَارَّة ، فَإِذَا نَامَ أَحَدهمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَن حَالَة النَّوْم أَنْ تَطُوف يَده عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِع النَّجِس ، فَنَهَاهُمْ عَنْ إِدْخَال يَده فِي الْمَاء ( فَلَا يَغْمِس ) بِالتَّخْفِيفِ مِنْ بَاب ضَرَبَ هُوَ الْمَشْهُور ، ويَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِالتَّشْدِيدِ مِنْ بَاب التَّفْعِيل أَي فَلَا يُدَخِّل ( فِي وضُوئِهِ ) بِفَتْحِ الْوَاو أَيْ الْمَاء الْمُعَدّ لِلْوُضُوءِ ، وفِي رِوَايَة فِي الْإِنَاء أَيْ الظَّرْف الَّذِي فِيهِ الْمَاء أَوْ غَيْره مِنْ الْمَائِعَات ، قَالُوا هُوَ نَهْي أَدَب ، وتَرْكه إِسَاءَة ، ولَا يَفْسُد الْمَاء ، وجَعَلَهُ أَحْمَد لِلتَّحْرِيمِ . و قَوْله ( حَتَّى يَغْسِلهَا ) أَيْ نَدْبًا بِشَهَادَةِ التَّعْلِيل بِقَوْلِهِ ( لِأَنَّ أَحَدكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده ) ؛ لِأَنَّ غَايَته الشَّكّ فِي نَجَاسَة الْيَدَيْنِ ، والْوُجُوب لَا يَبْنِى عَلَى الشَّكّ ، وعِنْد أَحْمَد وجُوبًا ، ولَا يَبْعُد مِنْ الشَّارِع الْإِيجَاب لِرَفْعِ الشَّكّ ، وفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْإِنْسَان يَنْبَغِي لَهُ الِاحْتِيَاط فِي مَاء الْوُضُوء ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَاء الْقَلِيل يَتَنَجَّس بِوُقُوعِ النَّجَاسَة ، وإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر أَحَد أَوْصَافه ، وفِيهِ أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون النَّهْي لِاحْتِمَالِ الْكَرَاهَة لَا لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَة ، ويَجُوز أَنْ يُقَال الْوُضُوء بِمَا وقَعَ فِيهِ النَّجَاسَة مَكْرُوه ، فَجَاءَ النَّهْي عِنْد الشَّكّ فِي النَّجَاسَة تَحَرُّزًا عَنْ الْوُقُوع فِي هَذِهِ الْكَرَاهَة عَلَى تَقْدِير النَّجَاسَة ، وأَيْضًا يُمْكِن أَنْ يَكُون النَّهْي بِنَاء عَلَى اِحْتِمَال أَنْ يَتَغَيَّر الْمَاء بِمَا عَلَى الْيَد مِنْ النَّجَاسَة فَيَتَنَجَّس ، فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ أَنَّهُ يَتَنَجَّس الْمَاء بِوُقُوعِ النَّجَاسَة مُطْلَقًا ؟ واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
ويُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّجَاسَة الْغَيْر الْمَرْئِيَّة يُغْسَل مَحَلّهَا لِإِزَالَتِهَا ثَلَاث مَرَّات إِذْ مَا شُرِعَ ثَلَاث مَرَّات عِنْد تَوَهُّمهَا إِلَّا لِأَجْلِ إِزَالَتهَا ، فَعُلِمَ أَنَّ إِزَالَتهَا تَتَوَقَّف عَلَى ذَلِكَ ، ولَا يَكُون بِمَرَّةٍ واحِدَة إِذْ يَبْعُد أَنَّ إِزَالَتهَا عِنْد تَحَقُّقهَا بِمَرَّةٍ ، ويُشْرَع عِنْد تَوَهُّمهَا ثَلَاث مَرَّات لِإِزَالَتِهَا ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .