الثغر
معجم البلدانجُزء ٢ · صَفحة ٨٠ حرف الثاء · الثغرباب الثاء والغين وما يليهما الثغر : بالفتح ثم السكون ، وراء ، كل موضع قريب من أرض العدو يسمى ثغرا ، كأنه مأخوذ من الثغرة ، وهي الفرجة في الحائط ، وهو في مواضع كثيرة منها : ثغر الشام وجمعه ثغور ، وهذا الاسم يشمل بلادا كثيرة ، وهي البلاد المعروفة اليوم ببلاد ابن لاون ، ولا قصبة لها ؛ لأن أكثر بلادها متساوية ، وكل بلد منها كان أهله يرون أنه أحق باسم القصبة ، فمن مدنها بياس ، ومنها إلى الإسكندرية مرحلة ، ومن بياس إلى المصيصة مرحلتان ، ومن المصيصة إلى عين زربة مرحلة ، ومن المصيصة إلى أذنة مرحلة ، ومن أذنة إلى طرسوس يوم ، ومن طرطوس إلى الجوزات يومان ، ومن طرسوس إلى أولاس على بحر الروم يومان ، ومن بياس إلى الكنيسة السوداء ، وهي مدينة ، أقل من يوم ، ومن بياس إلى الهارونية مثله ، ومن الهارونية إلى مرعش ، وهي من ثغور الجزيرة ، أقل من يوم ، ومن مشهور مدن هذا الثغر : أنطاكية وبغراس وغير ذلك ، إلا أن هذا الذي ذكرنا أشهر مدنها . وقال أحمد بن يحيى بن جابر : كانت الثغور الشامية أيام عمر وعثمان ، وبعد ذلك أنطاكية وغيرها المدعوة بالعواصم ، وكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوهم اليوم وراء طرسوس ، وكانت فيما بين الإسكندرية وطرسوس حصون ومسالح للروم كالحصون والمسالح التي يمر بها المسلمون اليوم ، وكان هرقل نقل أهل تلك الحصون معه وشعثها ، فكان المسلمون إذا غزوها لم يجدوا فيها أحدا ، وربما كمن عندها قوم من الروم فأصابوا غرة المسلمين المنقطعين عن عساكرهم . فكان ولاة الشواتي والصوائف إذا دخلوا بلاد الروم خلفوا بها جندا كثيفا إلى خروجهم ، وقد اختلفوا في أول من قطع الدرب ، وهو درب بغراس ، فقيل : قطعه ميسرة بن مسروق العبسي ، وجهه أبو عبيدة ، فلقي جمعا للروم ، ومعهم مستعربة من غسان ، وتنوخ يريدون اللحاق بهرقل ، فأوقع بهم ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، ثم لحق به مالك الأشتر النخعي مددا من قبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية . وقال بعضهم : أول من قطع الدرب عمير بن سعد الأنصاري حين توجه في أمر جبلة بن الأيهم ، وقال أبو الخطاب الأزدي : بلغني أن أبا عبيدة بنفسه غزا الصائفة فمر بالمصيصة ، وطرسوس ، وقد جلا أهلها ، وأهل الحصون التي تليها ، فأدرب فبلغ في غزاته زندة . وقال غيره : إنما وجه ميسرة بن مسروق فبلغ زندة ، وقال أبو صالح : لما غزا معاوية عمورية سنة 25 ، وجد الحصون فيما بين أنطاكية ، وطرسوس خالية ، فوقف عندها جماعة من أهل الشام والجزيرة ، وقنسرين حتى انصرف من غزواته ، ثم أغزى بعد ذلك بسنة أو سنتين يزيد بن الحر العبسي الصائفة ، وأمره معاوية أن يفعل مثل فعله ، قال : وغزا معاوية سنة 31 من ناحية المصيصة ، فبلغ درولية ، فلما رجع جعل لا يمر بحصن فيما بينه وبين أنطاكية إلا هدمه . قال المؤلف ، رحمه الله : ثم لم يزل هذا الثغر ، وهو طرسوس وأذنة والمصيصة وما ينضاف إليها ، بأيدي المسلمين ، والخلفاء مهتمون بأمرها لا يولونها إلا شجعان القواد ، والراغبين منهم في الجهاد والحروب بين أهلها والروم مستمرة ، والأمور على مثل هذه الحال مستقرة ، حتى ولي العواصم والثغور الأمير سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء بن حمدان ، فصمد للغزو ، وأمعن في بلادهم ، واتفق أن قابله من الروم ملوك أجلاد ورجال أولو بأس وجلاد ، وبصيرة بالحرب والدين شداد ، فكانت الحرب بينهم سجالا إلى أن كان من وقعة مغارة الكحل في سنة 349 . ومن ظفر الروم بعسكر سيف الدولة ، ورجوعه إلى حلب في خمسة فرسان على ما قيل ، ثم تلا ذلك هجوم الروم على حلب في سنة 351 ، وقتل كل من قدروا عليه من أهلها ، وكان أن عجز سيف الدولة ، وضعف ، فترك الشام شاغرا ، ورجع إلى ميافارقين ، والثغر من الحماة فارغا ، فجاءهم نقفور الدمستق ، فحاصر المصيصة ففتحها ، ثم طرسوس ، ثم سائر الثغور ، وذلك في سنة 354 ، كما ذكرناه في طرسوس ، فهو في أيديهم إلى هذه الغاية ، وتولاها لاون الأرمني ملك الأرمن يومئذ ، فهي في عقبه إلى الآن ، وقد نسبوا إلى هذا الثغر جماعة كثيرة من الرواة والزهاد والعباد ، منهم : أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سالم الطرسوسي الثغري ، كذا نسبه غير واحد من المحدثين ، وهو بغدادي المولد ، سكن طرسوس ، وسمع يوسف بن عمر اليمامي ، وعمر بن حبيب القاضي ، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي ، وأبا عاصم النبيل ، ومكي بن إبراهيم ، والفضل بن دكين ، وقبيصة بن عقبة ، وإسحاق بن منصور السلولي ، وأسود بن عامر شاذان وغيرهم ، روى عنه أبو حاتم الرازي ، ومحمد بن خلف وكيع ، ويحيى بن صاعد ، والحسين بن إبراهيم المحاملي وغيرهم ، وسئل عنه أبو داود سليمان بن الأشعث ، فقال : ثقة . وأما ثغر أسفيجاب فلم يزل ثغرا من جهته ، وقد ذكر أسفيجاب في موضعه ، نسب إليه هكذا : طالب بن القاسم الفقيه الثغري الأسفيجابي ، كان من فقهاء ما وراء النهر ، وثغر فراوة قرب بلاد الديلم ، ينسب إليه محمد بن أحمد بن الحسين الغطريفي الجرجاني الثغري ، وكان الإسماعيلي يدلس به في الرواية عنه ، هكذا يقول : حدثنا محمد بن أحمد الثغري . وأما ثغر الأندلس فينسب إليه أبو محمد عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم بن خلف الثغري من أهل قلعة أيوب ، سمع بتطيلة من ابن شبل ، وأحمد بن يوسف بن عباس ، وبمدينة الفرج من وهب بن مسرة ، ورحل إلى المشرق سنة 350 ، فسمع ببغداد من أبي علي الصواف ، وأبي بكر بن حمدان ، سمع منه مسند أحمد بن حنبل ، والتاريخ ، دخل البصرة والكوفة وسمع بها ، وسمع بالشام ومصر وغيرهما من جماعة يكثر تعدادهم ، وانصرف إلى الأندلس ، ولزم العبادة والجهاد ، واستقضاه الحكم المنتصر بموضعه ، ثم استعفاه منه فأعفاه ، وقدم قرطبة في سنة 375 . وقرأ عليه الناس ، قال ابن الفرضي : وقرأت عليه علما كثيرا ، فعاد إلى الثغر فأقام به إلى أن مات ، وكان يعد من الفرسان ، وتوفي سنة 383 بالثغر من مشرق الأندلس .