- يُروَى عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: لمَّا نزلَتْ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} إلى آخِرِ السُّورةِ، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا جبريلُ، نفْسِي قدْ نُعيَتْ إليَّ، قال جبريلُ: الآخِرةُ خيرٌ لكَ مِنَ الأُولَى، ولسوفَ يُعطيكَ ربُّكَ فترضَى، فأمَر رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بلالًا يُنادي: الصَّلاةَ جامعةً، فاجتمَعَ المهاجرونَ والأنصارُ إلى مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فصلَّى بالنَّاس، ثمَّ صعِدَ المِنْبرَ، فحمِدَ اللهَ وأثنَى عليهِ، ثمَّ خطَبَ خُطبةً وجِلَتْ منها القلوبُ، وبكَتْ منها العيونُ، ثمَّ قال: أيُّها النَّاسُ، أيُّ نبيٍّ كنتُ لكُمْ؟ فقالوا: جزاكَ اللهُ مِن نبيٍّ خيرًا؛ فلقدْ كنتَ لنا كالأبِ الرَّحيمِ، وكالأخِ النَّاصحِ المُشفِقِ، أدَّيْتَ رسالاتِ اللهِ، وأبلَغْتَنا وحْيَهُ، ودعوْتَ إلى سبيلِ ربِّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، فجزاكَ اللهُ عنَّا أفضلَ ما جازَى نبيًّا عن أُمَّتِهِ، فقال لهمْ: معاشِرَ المسلمينَ، أنا أَنْشُدكُمْ باللهِ وبحقِّي عليكُمْ، مَن كانتْ لهُ قِبَلي مَظْلِمةٌ فلْيَقُمْ فلْيَقتَصَّ منِّي، فلم يَقُمْ إليهِ أحدٌ، فناشَدَهُمُ اللهَ، فلم يَقُمْ إليه أحدٌ، فناشَدَهُمُ الثالثةَ: معاشِرَ المسلمينَ، مَن كانتْ لهُ قِبَلي مَظْلِمةٌ فليَقُمْ فلْيَقْتَصَّ مِنِّي قَبْلَ القِصاصِ في القيامة، فقامَ مِن بيْنِ المسلمينَ شيخٌ كبيرٌ، يقالُ لهُ: عُكَّاشَةُ، فتخطَّى المسلمينَ حتَّى وقَفَ بيْن يدَيِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: فِداكَ أبي وأُمِّي، لولا أنَّكَ ناشَدْتَنا مرَّةً بعدَ مرَّةٍ أخرى ما كنتُ بالَّذي يُقْدِمُ على شيْءٍ منكَ، كنتُ معكَ في غَزاةٍ، فلمَّا فتحَ اللهُ عليْنا وكنَّا في الانصرافِ حاذَتْ ناقتي ناقتَكَ، فنزلْتُ عنِ النَّاقةِ، ودنوْتُ منكَ لأُقَبِّلَ فَخِذَكَ، فرفعْتَ القَضيبَ فضربْتَ خاصِرتي، فلا أدري أكانَ عمْدًا منكَ أمْ أردْتَ ضرْبَ النَّاقةِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا عُكَّاشةُ، أُعيذُكَ بجلالِ اللهِ أنْ يتعمَّدَكَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بالضَّرْبِ، يا بلالُ، انطلِقْ إلى منزلِ فاطمةَ، وائْتِني بالقَضيبِ المَمْشُوقِ، فقالت فاطمةُ: وما يصنَعُ أبي بالقَضيبِ المَمْشُوقِ وليس هذا يومَ حجٍّ ولا يومَ غَزاةٍ؟! فقال: يا فاطمةُ، ما أَغفلَكِ عمَّا فيهِ أبوكِ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يودِّعُ الدِّينَ، ويُفارِقُ الدُّنْيا، ويُعطي القِصاصَ مِن نفْسِهِ، فقالت فاطمةُ رضي الله عنها: يا بلالُ، ومَنِ الَّذي تُطيقُ نفْسُهُ أنْ يَقتَصَّ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟! يا بلالُ، أذِّنْ، فقُلْ للحَسنِ والحُسينِ يَقومانِ إلى هذا الرجُلِ فيَقتَصُّ منهُما ولا يَدَعانِهِ يَقتَصُّ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فدخلَ بلالٌ المسجدَ، ودفَعَ القَضيبَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فدفَعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم القَضيبَ إلى عُكَّاشةَ، فلمَّا نظَرَ أبو بكْرٍ وعُمرُ رضي الله عنهما إلى ذلكَ، قامَا، فقالا: يا عُكَّاشَةُ، ها نحنُ بيْنَ يديْكَ، فاقتَصَّ مِنَّا، ولا تَقتَصَّ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال لهما النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: امْضِ يا أبا بكْرٍ، وأنتَ يا عُمرُ؛ فقدْ عرَفَ اللهُ عزَّ وجلَّ مكانَكُما ومقامَكُما، فقام عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رضي الله عنه، فقال: يا عُكَّاشةُ، أنا في الحياةِ بيْن يدَيْ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا تَطيبُ نفْسِي أنْ تَضرِبَ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فهذا ظهْري وبطْني، اقتَصَّ مِنِّي بيديْكَ، واجلِدْني مِئةً ولا تقتَصَّ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا عليُّ، اقعُدْ؛ فقدْ عرَفَ اللهُ عزَّ وجلَّ مقامَكَ ونيَّتَكَ، وقامَ الحَسنُ والحُسينُ عليهِما السَّلامُ، فقالا: يا عُكَّاشةُ، أليس تعلَمُ أنَّا سِبْطا رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فالقِصاصُ مِنَّا كالقِصاصِ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال لهما النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: اقعُدَا يا قُرَّةَ عيني، لا نَسِيَ اللهُ لكُما هذا المَقامَ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا عُكَّاشةُ، اضرِبْ إنْ كنتَ ضاربًا، فقال: يا رسولَ اللهِ، ضربْتَني وأنا حاسِرٌ عن بطْني، فكشَفَ عن بطْنِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وصاح المسلمونَ بالبكاءِ، وقالوا: نرَى عُكَّاشةَ ضارِبًا بطْنَ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟!! فلما نظَرَ عُكَّاشةُ بياضَ بطْنِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كأنَّه القُباطِيُّ لم يَملِكْ أنْ أكَبَّ عليه فقبَّلَ بطْنَهُ، وهو يقولُ: فِداكَ أبي وأُمِّي، ومَن تَطيبُ نفْسُهُ أنْ يقتَصَّ منكَ؟! فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إِمَّا أنْ تضرِبَ، وإمَّا أنْ تعفُوَ، فقال: قد عفوْتُ عنكَ رجاءَ أنْ يعفُوَ اللهُ عنِّي في القيامةِ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن أرادَ أنْ ينظُرَ إلى رفيقي في الجَنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا الشيخِ، فقامَ المسلمونُ، فجعلوا يُقَبِّلون ما بيْن عينيْهِ، ويقولونَ: طُوباكَ، طُوباكَ، نِلْتَ الدَّرجاتِ العُلَى، ومرافقةَ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فمرِضَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن يومِهِ، وكان مرَضُهُ ثمانيةَ عشرَ يومًا يَعودُهُ النَّاسُ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وُلِدَ يومَ الاثنينِ، وبُعِثَ يومَ الاثنينِ، وقُبِضَ يومَ الاثنينِ، فلمَّا كان يومُ الأحدِ ثقُلَ في مرَضِهِ، فأذَّنَ بلالٌ، ثمَّ وقفَ بالبابِ، فنادَى: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، الصَّلاةَ يرحمُكَ اللهُ، فسمِعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صوتَ بلالٍ، فقالتْ فاطمةُ: يا بلالُ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مشغولٌ بنفْسِهِ، فدخلَ بلالٌ المسجدَ، فلمَّا أسفَرَ الصُّبحُ قال: واللهِ، لا أُقيمُها أوْ استأْذِنَ سيِّدي رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فرجَعَ وقامَ بالبابِ، ونادَى: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ، الصَّلاةَ يرحمُكَ اللهُ، فسمِعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صوتَ بلالٍ، فقال: ادخُلْ يا بلالُ، إنَّ رسولَ اللهِ مشغولٌ بنفْسِهِ، مُرْ أبا بكرٍ يصلِّي بالنَّاسِ، فخرجَ ويدُهُ على أُمِّ رأسِهِ، وهو يقولُ: يا غَوْثاهُ باللهِ، وانقطاعَ رجائي، وانقِصامَ ظهري! ليْتَني لم تلِدْني أُمِّي، وإذا ولَدَتْني لم أَشهَدْ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا اليومَ، ثمَّ قال: يا أبا بكْرٍ، ألَا إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَركَ أنْ تُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فتقدَّمَ أبو بكْرٍ، وكان رجُلًا رقيقًا، فلمَّا نظرَ إلى خُلُوِّ المكانِ مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يتمالَكْ أنْ خَرَّ مَغشيًّا عليهِ، وصاحَ المسلمونَ بالبكاءِ، فسمِعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ضَجيجَ النَّاسَ، فقال: ما هذه الضَّجَّةُ؟ فقالوا: ضَجَّةُ المسلمينَ لِفقْدِكِ يا رسولَ اللهِ، فدعَا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليًّا والعبَّاسَ، فاتَّكأَ عليهِما، فخرجَ إلى المسجدِ، فصلَّى بالنَّاسِ ركعتيْنِ خفيفتيْنِ، ثمَّ أقبَلَ بوجْههِ المَليحِ عليهِمْ، فقال: يا مَعشرَ المسلمينَ، أستودِعُكُمُ اللهَ، أنتمْ في رجاءِ اللهِ وأمانهِ، واللهُ خليفَتي عليكُمْ، معاشِرَ المسلمينَ، عليكُمْ باتِّقاءِ اللهِ، وحفْظِ طاعتِهِ مِن بعدي، فإنِّي مفارِقٌ الدُّنْيا، هذا أوَّلُ يومٍ مِن أيَّامِ الآخِرَةِ، وآخِرُ يومٍ مِن أيَّامِ الدُّنْيا، فلمَّا كانَ يومُ الاثنينِ اشتدَّ بهِ الأمْرُ، فأوحَى اللهُ تعالى إلى ملَكِ الموتِ أنِ اهبِطْ إلى حبيبي وصَفيِّي محمَّدٍ في أحسَنِ صورةٍ، وارْفُقْ بهِ في قبْضِ رُوحهِ، فهبَطَ ملَكُ الموتِ، فوقفَ بالبابِ شِبْهَ أعرابيٍّ، ثمَّ قال: السَّلامُ عليكُمْ يا أهْلَ بيتِ النُّبوَّةِ، ومَعْدِنَ الرِّسالةِ، ومختلَفَ الملائكةِ، أأَدخُلُ؟ فقالتْ عائشةُ رضي الله عنها لفاطمةَ رضي الله عنها: أجيبي الرجُلَ، فقالت فاطمةُ رضي الله عنها: أَجَرَكَ اللهُ في مَمْشاكَ يا عبدَ اللهِ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مشغولٌ بنفْسِه، فنادَى الثَّانيةَ، فقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: يا فاطمةُ، أجيبي الرجُلَ، فقالتْ فاطمةُ رضي الله عنها: أَجَرَكَ اللهُ في مَمْشاكَ يا عبدَ اللهِ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مشغولٌ بنفْسِه، ثمَّ دعا الثَّالثةَ، فقال: السَّلامُ عليكُمْ يا أهْلَ بيتِ النُّبوَّةِ، ومَعدِنَ الرِّسالةِ، ومختلَفَ الملائكةِ، أأَدخُلُ؟ فلا بُدَّ مِنَ الدخُّولِ، فسمِعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صوتَ ملَكِ الموتِ، فقال: يا فاطمةُ، مَن بالبابِ؟ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ رجُلًا بالبابِ يَستأذِنُ في الدُّخولِ، فأجَبْناهُ مرَّةً بعدَ أخرى، فنادَى في الثَّالثة صوتًا اقشَعَرَّ منهُ جِلْدي، وارتعَدَتْ منهُ فَرائِصي! فقال لها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا فاطمةُ، أتَدْرينَ مَن بالبابِ؟ هذا هادِمُ اللَّذَّاتِ، ومُفَرِّقُ الجماعاتِ، هذا مُرَمِّلُ الأزواجِ، ومُيَتِّمُ الأولادِ، هذا مُخَرِّبُ الدُّورِ، وعامِرُ القُبورِ، هذا ملَكُ الموتِ؛ ادخُلْ يرحمْكَ اللهُ يا ملَكَ الموتِ، فدخَلَ ملَكُ الموتِ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا ملَكَ الموتِ، جِئْتَني زائرًا أوْ قابضًا؟ قال: جِئْتُكَ زائرًا وقابضًا، وأمَرني اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ لا أَدخُلَ عليكَ إلَّا بإذنِكَ، ولا أقبِضَ رُوحَكَ إلَّا بإذنِكَ، فإذا أذِنْتَ وإلَّا رجَعْتُ إلى ربِّي، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا ملَكَ الموتِ، أينَ خلَّفْتَ حبيبي جبريلَ؟ قال: خلَّفْتُهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، والملائكةُ يُعَزُّونَهُ فيكَ، فما كان بأسرعَ أنْ أتاهُ جبريلُ، فقعَدَ عندَ رأسِهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا جبريلُ، هذا الرَّحيلُ مِنَ الدُّنْيا، فبشِّرْني بما لي عندَ اللهِ، فقال: أُبَشِّرُكَ يا حبيبَ اللهِ أنِّي تركْتُ أبوابَ السَّماءِ قدْ فُتِحَتْ، والملائكةُ قد قاموا صُفوفًا بالتَّحيَّةِ والرَّيْحانِ يُحَيُّونَ رُوحَكَ يا محمَّدُ، فقال: لوجْهِ ربِّيَ الحمْدُ، فبشِّرْني يا جبريلُ، قال: أُبَشِّرُكَ أنَّ أبوابَ الجَنَّةِ قدْ فُتِحَتْ، وأنهارَها قدِ اطَّرَدَتْ، وأشجارَها قدْ تدَلَّتْ، وحُورَها قدْ زُيِّنَتْ لقُدُومِ رُوحِكَ يا محمَّدُ، قال: لوجْهِ ربِّيَ الحمْدُ، فبشِّرْني يا جبريلُ، قال: أبوابُ النِّيرانِ قدْ أُطبِقَتْ لقُدُومِ رُوحِكَ يا محمَّدُ، قال: لوجْهِ ربِّيَ الحمْدُ، فبشِّرْني يا جبريلُ، قال: أنتَ أوَّلُ شافعٍ، وأوَّلُ مشَفَّعٍ في القيامة، قال: لوجْهِ ربِّيَ الحمْدُ، فبشِّرْني يا جبريلُ، قال جبريلُ: يا حبيبي، عمَّ تسألُني؟ قال: أسألُكَ عن غمِّي وهمِّي؛ مَن لقُرَّاءِ القُرآنِ مِن بعدي؟ مَن لصُوَّام رمضانَ مِن بعدي؟ مَن لحُجَّاجِ بيتِ اللهِ الحرامِ مِن بعدي؟ مَن لأُمَّتي المُصطَفاةِ مِن بعدي؟ قال: أَبشِرْ يا حبيبَ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: قدْ حرَّمْتُ الجَنَّةَ على جميعِ الأنبياءِ والأُمَمِ حتَّى تدخُلَها أنتَ وأُمَّتُكَ يا محمَّدُ، قال: الآنَ طابتْ نفْسي، ادْنُ يا ملَكَ الموتِ، فانتَهِ كما أُمِرْتَ، فقال عليٌّ رضي الله عنه: إذا أنتَ قُبِضْتَ فمَن يُغَسِّلُكَ! وفيِمَ نُكَفِّنُكَ؟ ومَن يُصلِّي عليكَ؟ ومَن يَدخُلُ القبرَ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أمَّا الغُسلُ فاغسِلْني أنتَ، وابنُ عبَّاسٍ يَصُبُّ عليكَ الماءَ، وجبريلُ يأْتيني بحَنُوطٍ مِنَ الجَنَّةِ، فإذا أنتُمْ وَضعْتُموني في السَّريرِ فضَعوني في المسجدِ واخرُجوا عنِّي؛ فإنَّ أوَّلَ مَن يُصلِّي عليَّ: الرَّبُّ عزَّ وجلَّ مِن فوقِ عرْشِهِ، ثمَّ جبريلُ، ثمَّ ميكائيلُ، ثمَّ إسرافيلُ، ثمَّ الملائكةُ زُمَرًا زُمَرًا، ثمَّ ادخُلوا فقومُوا صُفوفًا صُفوفًا لا يتقدَّمُ عليَّ أحدٌ، فقالتْ فاطمةُ رضي الله عنها: اليومَ الفِراقُ، فمتى ألقاكَ؟ فقال لها: يا بُنَيَّةُ، تَلْقيني يومَ القيامةِ عندَ الحَوضِ وأنا أَسقي مَن يَرِدُ الحَوضَ مِن أُمَّتي، قالتْ: فإِنْ لم أَلْقَكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: تَلْقيني عندَ الصِّراطِ وأنا أُنادي: ربِّ، سلِّمْ أُمَّتي مِنَ النَّارِ، فدنَا ملَكُ الموتِ، فعالَجَ قبْضَ رُوحِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا بلَغَ الرُّوحُ إلى الرُّكبتيْنِ، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَوِّهْ، فلمَّا بلغَ الرُّوحُ إلى السُّرَّةِ نادَى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: واكَرْباهُ، فقالتْ فاطمةُ رضي الله عنها: كَرْبي لكَرْبِكَ يا أبَتاهُ، فلمَّا بلغَ الرُّوحُ الثَّنْدُوَةَ، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا جبريلُ، ما أشدَّ مَرارةَ الموتِ! فولَّى جبريلُ وجهَهُ عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: كرِهْتَ النَّظرَ إليَّ؟ فقال جبريلُ عليه السَّلامُ: يا حبيبي، ومَن تُطيقُ نفْسُهُ أن ينظُرَ إليكَ وأنتَ تعالِجُ سكراتِ الموتِ؟! فقُبِضَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فغسَّلَهُ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ، وابنُ عبَّاسٍ يَصُبُّ الماءَ، وجبريلُ عليه السَّلامُ معهُما، فكُفِّنَ بثلاثةِ أثوابٍ جُدُدٍ، وحُمِلَ على السَّريرِ، ثمَّ أدخَلُوه المسجدَ، ووضَعوه في المسجدِ، وخرجَ النَّاسُ عنهُ، فأوَّلُ مَن صلَّى عليهِ: الرَّبُّ مِن فوقِ عرشِهِ تعالَى وتقدَّسَ، ثمَّ جبريلُ، ثمَّ ميكائيلُ، ثمَّ إسرافيلُ، ثمَّ الملائكةُ زُمَرًا زُمَرًا، قال: عليٌّ رضي الله عنه: لقد سمِعْنا في المسجدِ هَمْهَمَةً ولم نَرَ لهم شخصًا، فسمِعْنا هاتفًا يهتِفُ وهو يقولُ: ادخُلُوا رحِمَكُمُ اللهُ، فصَلُّوا على نبيِّكُم صلَّى الله عليه وسلَّم، فدخلْنا، فقُمْنا صُفوفًا كما أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فكبَّرْنا تكبيرَ جبريلَ، وصلَّيْنا على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بصلاةِ جبريلَ، ما تقدَّمَ مِنَّا أحدٌ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ودخلَ القبرَ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنهم، ودُفِنَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا انصرَفَ النَّاسُ، قالتْ فاطمةُ لعليٍّ: يا أبا الحَسنِ، دفنْتُمْ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قال: نعَمْ، قالتْ: كيفَ طابَتْ أنفُسُكُمْ أن تَحْثُوا التُّرابَ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟! أمَا كان في صُدورِكُمْ لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم رحمةٌ؟! أمَا كان معلِّمَ الخيرِ؟ قال: بلَى يا فاطمةُ، ولكنَّ أمْرَ اللهِ عزَّ وجلَّ لا مَرَدَّ لهُ، فجعلَتْ تبكي وتَنْدُبُ، وهيَ تقولُ: يا أبَتاهُ، الآنَ انقطعَ عنَّا جبريلُ، وكان جبريلُ يأْتِينا بالوحْيِ مِنَ السَّماءِ.
الحكم: موضوع
- أنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، سَألَهم عن قَولِه تَعالى: {إذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحُ}، قالوا: فتحُ المَدائِنِ والقُصورِ، قال: ما تَقولُ يا ابنَ عَبَّاسٍ؟ قال: أجَلٌ أو مَثَلٌ ضُرِبَ لمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، نُعيَت له نَفسُه.
الراوي: عبدالله بن عباس المصدر: صحيح البخاري الدرجة: [صحيح]
- كان عُمَرُ يُدخِلُني مع أشياخِ بَدرٍ، فكَأنَّ بَعضَهم وجَدَ في نَفسِه، فقال: لمَ تُدخِلُ هذا معنا ولَنا أبناءٌ مِثلُه؟! فقال عُمَرُ: إنَّه مَن قد عَلِمتُم، فدَعاه ذاتَ يَومٍ فأدخَلَه معهُم، فما رُئيتُ أنَّه دَعاني يَومَئذٍ إلَّا ليُريَهم، قال: ما تَقولونَ في قَولِ اللهِ تَعالى: {إذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحُ}؟ فقال بَعضُهم: أُمِرنا أن نَحمَدَ اللهَ ونَستَغفِرَه إذا نُصِرنا وفُتِحَ علينا، وسَكَتَ بَعضُهم فلَم يَقُل شيئًا، فقال لي: أكَذاكَ تَقولُ يا ابنَ عَبَّاسٍ؟ فقُلتُ: لا، قال: فما تَقولُ؟ قُلتُ: هو أجَلُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلَمَه له، قال: {إذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحُ}، وذلك عَلامةُ أجَلِكَ، {فسَبِّح بحَمدِ رَبِّكَ واستَغفِرْه إنَّه كان تَوَّابًا}، فقال عُمَرُ: ما أعلَمُ منها إلَّا ما تَقولُ.
الراوي: عبدالله بن عباس المصدر: صحيح البخاري الدرجة: [صحيح]
المصدر الرسمي: https://hdith.com/fake/1206
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة