نتائج البحث عن
«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى رجل من أصحابه . قال : فخرج إليه»· 17 نتيجة
الترتيب:
خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زمَنَ الحُديبيَةِ في بضعَ عشر مئةً مِن أصحابِه حتَّى إذا كانوا بذي الحُليفةِ قلَّد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأشعَر ثمَّ أحرَم بالعمرةِ وبعَث بيْنَ يدَيْهِ عينًا له رجُلًا مِن خُزاعةَ يجيئُه بخبرِ قريشٍ وسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بغَديرِ الأشطاطِ قريبًا مِن عُسْفانَ أتاه عينُه الخُزاعيُّ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لُؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ وجمَعوا لك جموعًا كثيرةً وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أشيروا علَيَّ أترَوْنَ أنْ نميلَ إلى ذراريِّ هؤلاء الَّذين أعانوهم فنُصيبَهم فإنْ قعَدوا قعَدوا مَوتورين محزونين وإنْ نجَوْا يكونوا عُنقًا قطَعها اللهُ أم ترَوْنَ أنْ نؤُمَّ البيتَ فمَن صدَّنا عنه قاتَلْناه ) ؟ فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: اللهُ ورسولُه أعلمُ يا نبيَّ اللهِ إنَّما جِئْنا مُعتمرينَ ولم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنْ مَن حال بينَنا وبيْنَ البيتِ قاتَلْناه فقال النَّبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فرُوحوا إذًا ) قال الزُّهريُّ في حديثِه: وكان أبو هُريرةَ يقولُ: ما رأَيْتُ أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الزُّهريُّ في حديثِه عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ في حديثِهما: فراحوا حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً فخُذوا ذاتَ اليمينِ ) فواللهِ ما شعَر بهم خالدُ بنُ الوليدِ حتَّى إذا هو بقَترةِ الجيشِ فأقبَل يركُضُ نذيرًا لقريشٍ وسار النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ الَّتي يُهبَطُ عليهم منها فلمَّا انتهى إليها برَكتْ راحلتُه فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ فألحَّتْ فقالوا: خلَأتِ القصواءُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ما خلَأتِ القصواءُ وما ذلك لها بخُلُقٍ ولكنْ حبَسها حابسُ الفيلِ ) ثمَّ قال: ( والَّذي نفسي بيدِه لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها ) ثمَّ زجَرها فوثَبتْ به قال: فعدَل عنهم حتَّى نزَل بأقصى الحُديبيَةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ إنَّما يتبَرَّضُه النَّاسُ تبرُّضًا فلم يلبَثْ بالنَّاسِ أنْ نزَحوه فشُكي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العطشُ فانتزَع سهمًا مِن كِنانتِه ثمَّ أمَرهم أنْ يجعَلوه فيه قال: فما زال يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صدَروا عنه: فبينما هم كذلك إذ جاءه بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ وكانت عَيْبَةَ نُصحِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ تِهامةَ فقال: إنِّي ترَكْتُ كعبَ بنَ لؤيٍّ وعامرَ بنَ لؤيٍّ نزَلوا أعدادَ مياهِ الحُديبيَةِ معهم العُوذُ المَطافيلُ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيتِ الحرامِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( إنَّا لم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنَّا جِئْنا مُعتمرينَ فإنَّ قريشًا قد نهَكَتْهم الحربُ وأضرَّت بهم فإنْ شاؤوا مادَدْتُهم مدَّةً ويُخلُّوا بيني وبيْنَ النَّاسِ فإنْ ظهَرْنا وشاؤوا أنْ يدخُلوا فيما دخَل فيه النَّاسُ فعَلوا وقد جَمُّوا وإنْ هم أبَوْا فوالَّذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تنفرِدَ سالفتي أو لَيُبْدِيَنَّ اللهُ أمرَه ) قال بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ: سأُبلِغُهم ما تقولُ: فانطلَق حتَّى أتى قريشًا فقال: إنَّا قد جِئْناكم مِن عندِ هذا الرَّجُلِ وسمِعْناه يقولُ قولًا فإنْ شِئْتم أنْ نعرِضَه عليكم فعَلْنا فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أنْ تُخبِرونا عنه بشيءٍ وقال ذو الرَّأيِ: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا فأخبَرْتُهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقام عندَ ذلك أبو مسعودٍ عُروةُ بنُ مسعودٍ الثَّقفيُّ فقال: يا قومِ ألَسْتُم بالولدِ ؟ قالوا: بلى قال: ألَسْتُ بالوالدِ ؟ قالوا: بلى قال: فهل تتَّهموني ؟ قالوا: لا قال: ألَسْتُم تعلَمون أنِّي استنفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ فلمَّا بلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي وولَدي ومَن أطاعني ؟ قالوا: بلى قال: فإنَّ هذا امرؤٌ عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها ودعوني آتِهِ قالوا: ائتِه فأتاه قال: فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلِ بنِ وَرْقاءَ فقال عروةُ بنُ مسعودٍ عندَ ذلك يا محمَّدُ أرأَيْتَ إنِ استأصَلْتَ قومَك هل سمِعْتَ أحدًا مِن العربِ اجتاح أصلَه قبْلَك وإنْ تكُنِ الأخرى فواللهِ إنِّي أرى وجوهًا وأرى أشوابًا مِن النَّاسِ خُلَقاءَ أنْ يفِرُّوا ويدَعوك فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليه: امصُصْ ببَظْرِ اللَّاتِ أنحنُ نفِرُّ وندَعُه ؟ فقال أبو مسعودٍ: مَن هذا ؟ قالوا: أبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ فقال: أمَا والَّذي نفسي بيدِه لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجَبْتُك وجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكلَّما كلَّمه أخَذ بلِحيتِه والمغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ قائمٌ على رأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعليه السَّيفُ والمِغفَرُ فكلَّما أهوى عُروةُ بيدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضرَب يدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرفَع عروةُ رأسَه وقال: مَن هذا ؟ فقالوا: المغيرةُ بنُ شُعبةَ الثَّقفيُّ فقال: أيْ غُدَرُ، أولَسْتُ أسعى في غَدرَتِك وكان المغيرةُ بنُ شُعبةَ صحِب قومًا في الجاهليَّةِ فقتَلهم وأخَذ أموالَهم ثمَّ جاء فأسلَم فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمَّا الإسلامُ فأقبَلُ وأمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ ) قال: ثمَّ إنَّ عروةَ جعَل يرمُقُ صحابةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعينِه فواللهِ ما يتنخَّمُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعتْ في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلدَه وإذا أمَرهم انقادوا لأمرِه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له فرجَع عروةُ بنُ مسعودٍ إلى أصحابِه فقال: أيْ قومِ واللهِ لقد وفَدْتُ إلى الملوكِ ووفَدْتُ إلى كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ واللهِ ما رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا وواللهِ إنْ يتنخَّمُ نُخامةً إلَّا وقَعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلَك بها وجهَه وجِلْدَه وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه وإذا توضَّأ اقتتلوا على وَضوئِه وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له وإنَّه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها فقال رجُلٌ مِن بني كِنانةَ دعوني آتِه فلمَّا أشرَف على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فلانٌ مِن قومٍ يُعظِّمون البُدنَ فابعَثوها له قال: فبُعِثَتْ واستقبَله القومُ يُلَبُّون فلمَّا رأى ذلك قال: سُبحانَ اللهِ لا ينبغي لهؤلاء أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فلمَّا رجَع إلى أصحابِه قال: رأَيْتُ البُدْنَ قد قُلِّدتْ وأُشعِرَتْ فما أرى أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ فقام رجُلٌ منهم يُقالُ له: مِكرَزٌ فقال: دعوني آتِهِ فقالوا: ائتِه فلمَّا أشرَف عليهم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا مِكرَزٌ وهو رجُلٌ فاجرٌ ) فجعَل يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبينما هو يُكلِّمُه إذ جاءه سُهيلُ بنُ عمرٍو قال مَعْمَرٌ: فأخبَرني أيُّوبُ السَّخْتِيانيُّ عن عِكرمةَ قال: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( هذا سُهيلٌ قد سهَّل اللهُ لكم أمرَكم ) قال مَعْمَرٌ في حديثِه عن الزُّهريِّ عن عُروةَ عن المِسوَرِ ومَروانَ: فلمَّا جاء سُهيلٌ قال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكم كتابًا فدعا الكاتبَ فقال: اكتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقال سُهيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فلا أدري واللهِ ما هو ولكِنِ اكتُبْ باسمِك اللَّهمَّ ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( اكتُبْ هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسولُ اللهِ ) فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: لو كنَّا نعلَمُ أنَّك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيتِ ولا قاتَلْناك ولكِنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( واللهِ إنِّي لَرسولُ اللهِ وإنْ كذَّبْتُموني اكتُبْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ ) قال الزُّهريُّ: وذلك لقولِه: لا يسأَلوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها وقال في حديثِه عن عُروةَ عنِ المِسوَرِ ومَروانَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( على أنْ تُخَلُّوا بينَنا وبيْنَ البيتِ فنطوفَ به فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: إنَّه لا يتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولكِنْ لك مِن العامِ المقبِلِ، فكتَب، فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: على أنَّه لا يأتيك منَّا رجُلٌ وإنْ كان على دِينِك أو يُريدُ دينَك إلَّا ردَدْتَه إلينا فقال المسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ كيف يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاء مسلِمًا فبينما هم على ذلك إذ جاء أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو يرسُفُ في قيودِه قد خرَج مِن أسفلِ مكَّةَ حتى رمى بنفسِه بيْنَ المسلمينَ فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: يا محمَّدُ هذا أوَّلُ مَن نُقاضيك عليه أنْ ترُدَّه إليَّ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نُمضِ الكتابَ بعدُ فقال: واللهِ لا أُصالِحُك على شيءٍ أبدًا فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( فأَجِزْه لي ) فقال: ما أنا بمُجيزِه لك قال: فافعَلْ قال: ما أنا بفاعلٍ قال مِكرَزٌ: بل قد أجَزْناه لك فقال أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو: يا معشرَ المسلمينَ أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلِمًا ألا ترَوْنَ إلى ما قد لقيتُ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللهِ - فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه: واللهِ ما شكَكْتُ منذُ أسلَمْتُ إلَّا يومَئذٍ فأتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ: ألَسْتَ رسولَ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيننِا إذًا ؟ قال: ( إنِّي رسولُ اللهِ ولَسْتُ أعصي ربِّي وهو ناصري ) قُلْتُ: أوليسَ كُنْتَ تُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به ؟ قال ( بلى فخبَّرْتُك أنَّك تأتيه العامَ ؟ ) قال: لا قال: ( فإنَّك تأتيه فتطوفُ به قال: فأتَيْتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضوانُ اللهِ عليه فقُلْتُ: يا أبا بكرٍ أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: أولَسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ قال: ( بلى ) قُلْتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِينِنا إذًا ؟ قال: أيُّها الرَّجلُ إنَّه رسولُ اللهِ وليس يعصي ربَّه وهو ناصرُه فاستمسِكْ بغَرْزِه حتَّى تموتَ فواللهِ إنَّه على الحقِّ قُلْتُ: أوليس كان يُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ به ؟ قال: بلى قال فأخبَرك أنَّا نأتيه العامَ ؟ قُلْتُ: لا قال: فإنَّك آتيه وتطوفُ به قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليه فعمِلْتُ في ذلك أعمالًا - يعني في نقضِ الصَّحيفةِ -
فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الكتابِ أمَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه فقال: ( انحَروا الهَدْيَ واحلِقوا ) قال: فواللهِ ما قام رجُلٌ منهم رجاءَ أنْ يُحدِثَ اللهُ أمرًا فلمَّا لم يقُمْ أحَدٌ منهم قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخَل على أمِّ سلَمةَ فقال: ما لقيتُ مِن النَّاسِ قالت أمُّ سلَمةَ: أوَتُحِبُّ ذاك، اخرُجْ ولا تُكلِّمَنَّ أحدًا منهم كلمةً حتَّى تنحَرَ بُدنَكَ وتدعوَ حالقَك فقام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرَج ولم يُكلِّمْ أحدًا منهم حتَّى نحَر بُدْنَه ثمَّ دعا حالقَه فحلَقه فلمَّا رأى ذلك النَّاسُ جعَل بعضُهم يحلِقُ بعضًا حتَّى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضًا قال: ثمَّ جاء نِسوةٌ مؤمناتٌ فأنزَل اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] إلى آخِرِ الآيةِ قال: فطلَّق عمرُ رضوانُ اللهِ عليه امرأتينِ كانتا له في الشِّركِ فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ والأخرى صفوانُ بنُ أميَّةَ قال: ثمَّ رجَع صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ فجاءه أبو بَصيرٍ رجُلٌ مِن قريشٍ وهو مسلِمٌ فأرسَلوا في طلبِه رجُلينِ وقالوا: العهدَ الَّذي جعَلْتَ لنا فدفَعه إلى الرَّجُلينِ فخرَجا حتَّى بلَغا به ذا الحليفةِ فنزَلوا يأكُلون مِن تمرٍ لهم فقال أبو بَصيرٍ لأَحدِ الرَّجُلينِ: واللهِ لَأرى سيفَك هذا يا فلانُ جيِّدًا فقال: أجَلْ واللهِ إنَّه لَجيِّدٌ لقد جرَّبْتُ به ثمَّ جرَّبْتُ فقال أبو بَصيرٍ: أَرِني أنظُرْ إليه فأمكَنه منه فضرَبه حتَّى برَد وفرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ فدخَل المسجدَ يعدو فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد رأى هذا ذُعْرًا فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِل واللهِ صاحبي وإنِّي لَمقتولٌ فجاء أبو بَصيرٍ فقال: يا نبيَّ اللهِ قد واللهِ أوفى اللهُ ذمَّتَك قد ردَدْتَني إليهم ثمَّ أنجاني اللهُ منهم فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ امِّه لو كان معه أحَدٌ فلمَّا سمِع بذلك عرَف أنَّه سيرُدُّه إليهم مرَّةً أخرى فخرَج حتَّى أتى سِيفَ البحرِ قال: وتفلَّت منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهيلِ بنِ عمرٍو فلحِق بأبي بَصيرٍ فجعَل لا يخرُجُ مِن قريشٍ رجُلٌ أسلَم إلَّا لحِق بأبي بَصيرٍ حتَّى اجتمَعت منهم عصابةٌ قال: فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجتْ لقريشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعترَضوا لها فقتَلوهم وأخَذوا أموالَهم فأرسَلتْ قريشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ لَمَا أرسَل إليهم ممَّن أتاه فهو آمِنٌ فأرسَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم فأنزَل اللهُ جلَّ وعلا: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24] حتَّى بلَغ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] وكانت حميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ اللهِ ولم يُقِرُّوا ببِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك ، وقال أبو أحمد بن زياد : وهم مقاتلوك قالا جميعا : وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا . قال الزهري في حديثه : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . قال أبو أحمد بن زياد في حديثه : لما بلغ قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا قال الزهري قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول صلى الله عليه وسلم . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء ، وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت به ، قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالرمي حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا ، بيني وبين الناس ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله عز وجل أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته . يقول : قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا : ائته . فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عن ذلك : أي محمد ! أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى ؟ فوالله إني لأرى وجوها وأرى أو شابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يجدن إليه النظر تعظيما له . قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائتيه ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ، فبعث له فاستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع لأصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته ، قالوا : ائتيه ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب عن عكرمة : أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا ، فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب ، فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي ، قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر رضي الله عنه ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرار ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات وأنزل الله عز وجل ? يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات? حتى بلغ ? بعصم الكوافر? فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير ؛ رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك جيد جدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى بلغ المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ! قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم من أتاه منهم ، فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل ?وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم? حتى بلغ ?حمية الجاهلية? وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك ، وقال أبو أحمد بن زياد : وهم مقاتلوك قالا جميعا : وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا . قال الزهري في حديثه : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . قال أبو أحمد بن زياد في حديثه : لما بلغ قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذا قال الزهري قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول صلى الله عليه وسلم . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء ، وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت به ، قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالرمي حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا ، بيني وبين الناس ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله عز وجل أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته . يقول : قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا : ائته . فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عن ذلك : أي محمد ! أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى ؟ فوالله إني لأرى وجوها وأرى أو شابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر ، أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يجدن إليه النظر تعظيما له . قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائتيه ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ، فبعث له فاستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع لأصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته ، قالوا : ائتيه ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب عن عكرمة : أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا ، فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب ، فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي ، قال : ما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر رضي الله عنه ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعط الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه وتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرار ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات وأنزل الله عز وجل ? يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات? حتى بلغ ? بعصم الكوافر? فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير ؛ رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك جيد جدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى بلغ المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ! قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم من أتاه منهم ، فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل ?وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم? حتى بلغ ?حمية الجاهلية ? وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ . فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم . قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال : أَيْ قومُ ، واللهِ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال : هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيْبِيَّةِ ، حتى كانوا ببعضِ الطريقِ ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ ، في خيلٍ لقريشٍ طليعةٍ ، فخذوا ذاتَ اليمينٍ . فواللهِ ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتى إذا هم بقَتَرَةِ الجيشِ ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ ، وسار النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها ، برَكَتْ به راحلتُه ، فقال الناس : حلْ حلْ . فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ ، خلَأَتِ القصواءُ ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ . ثم قال: والذي نفسي بيدِه ، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها . ثم زجَرَها فوثَبَتْ ، قال : فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا ، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه ، وشُكِيَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العطشُ ، فانتَزَعَ سهمًا مِن كِنانتِه ، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه ، فواللهِ، مازالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعِيُّ في نفرٍ مِن قومِه مِن خُزاعةَ ، وكانوا عَيْبَةَ نصحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامةَ ، فقال : إني تَرَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَيٍّ، وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبيةِ ، ومعهم العوذُ المَطافِيلُ ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوك عن البيتِ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ ، ولكنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِين ، وإن قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ ، وأَضَرَّتْ بهم ، فإن شاؤُوا مادَدْتُهم مدةً ، ويُخَلُّوا بيني وبينَ الناسِ ، فإن أظْهَرَ فإن شاؤوا أن يَدْخُلوا فيما دخَلَ فيه الناسُ فعلوا ؛ وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبَوْا ، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفتي ، وليَنْقَذَنَّ اللهُ أمرَه . فقال بُدْيلُ : سأُبْلِغُهم ما تقولُ . قال : فانطَلَقَ حتى أتى قريشًا ، قال : إنا قد جِئْنَاكم مِن هذا الرجلِ ، وسَمِعْنَاه يقولُ قولًا ، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنَا ، فقال سفهاؤُهم : لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرَنا عنه بشيءٍ ، وقال ذَوُو الرأيِ منهم : هاتِ ما سَمِعْتَه يقولُ . قال : سَمِعْتُه يقولُ كذا وكذا ، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقام عروةُ بنُ مسعودٍ فقال : أَيْ قومُ ، أَلَسْتُم بالوالدِ ؟ قالوا : بلى. قال : أو لسْتُ بالولدِ ؟ قالوا : بلى. قال : فهل تَتَّهِمُونني ؟ قالوا : لا. قال : ألستم تَعْلَمُون أني استَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي، وولدِي، ومَن أطاعَنِي ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطةَ رُشْدٍ ، اقبلوها ودَعُوني آتِيه ، قالوا : ائْتِه . فأَتَاه ، فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نحوًا مِن قولِه لبُدَيْلٍ ، فقال عروةُ عندَ ذلك : أَيْ محمدُ ، أَرَأَيْتَ إن استَأْصَلْتَ أمرَ قومِك ، هل سَمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ ؟! وإن تَكُنْ الأخرى، فإني واللهِ ، لَأَرَىَ وجوهًا ، وإني لَأَرى أشوابًا مِن الناسِ خليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ ، فقال له أبو بكرٍ : امْصُصْ ببظرِ اللاتِ! أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه ؟ فقال : مَن ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ . قال: أما والذي نفسي بيدِه ، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أُجْزِكْ بها لأَجَبْتُكَ . قال : وجعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فكلما تكَلَّمَ أخَذَ بلحيتِه ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ ، فكُلَّمَا أهوى عروةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يدَه بنعلِ السيفِ ، وقال له: أَخِّرْ يدَك عن لحيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فرَفَعَ عروةُ رأسَه ، فقال : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ. فقال : أَيْ غُدَرُ ، أَلَسْتُ أَسعى في غَدْرَتِك. وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليةِ فقَتَلَهم ، وأخَذَ أموالَهم ، ثم جاء فأَسْلَمَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ ، وأَمَّا المالُ فلَسْتُ منه في شيءٍ . ثم إن عروةَ جعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعينِه ، قال : فواللهِ، ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةَ إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم ، فدَلَّكَ بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له ، فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أَيْ قومُ ، واللهِ ، لقد وفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قَيْصَرَ، وكسرى، والنَجَاشِيِّ ، واللهِ ، إن رَأَيْتُ مِلْكًا قطُّ يُعِظِّمُه أصحابُه ما يُعِظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا ، واللهِ ، إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدَلَّك بها وجهَه وجلدَه ، وإذا أَمَرَهم ابتدروا أمرَه ، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه ، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه ، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطةَ رُشْدٍ فأَقْبَلُوها . فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ : دَعُوني آتِيه . فقالوا : ائتِه . فلما أَشْرَفَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ ، وهو مِن قوم يُعَظِّمون البُدْنَ ، فابعثُوها له. فبُعِثَتْ له ، واستَقْبَلَه الناسُ يُلَبُّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحانَ اللهِ ، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ ، فلما رجَعَ إلى أصحابِه قال : رأَيْتُ قد قُلِّدَتْ وأُشِعْرَتْ ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ . فقام رجلٌ منهم ، يَقالُ له: مِكْرَزُ بْنُ حفصٍ ، فقال : دعوني آتيه . فقالوا : ائْتِه. فلما أَشْرَفَ عليهم ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هذا مِكْرَزٌ ، وهو رجلٌ فاجرٌ. فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يُكَلِّمُه؛ إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرٍو . قال مَعْمَرٌ : فأَخْبَرَني أيوبُ ، عن عَكْرِمَةَ : أنه لما جاءَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم. قال مَعْمَرٌ : قال الزهريُّ في حديثِه : فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . قال سهيلٌ : أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو ، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ . فقال المسلمون : واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ . ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ . فقال سهيلٌ : واللهِ ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك ، ولكِنْ اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ ، إني لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني ، اكتُبْ : محمدُ بنُ عبدِ الله . قال الزُّهْرِيُّ : وذلك لقولِه: لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلا أَعْطَيْتُهم إيَّاها. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : على أن تُخَلُّوا بينَنا وبينَ البيت فنَطُوفُ به. فقال سهيلٌ : واللهِ ، لا تَتَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً؛ ولكن ذلك مِن العامِ المُقْبِلِ . فكتَبَ ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتِيك منا رجلٌ ، وإن كان على دينِك إلا ردَدْتَه إلينا . قال المسلمون : سبحانَ اللهِ ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا! فبينما هم كذلك؛ إذ دخَلَ أبو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلِ بنِ عمرٍو يَرْسُفُ في قيودِه ، وقد خرَجَ ِمِن أسفلِ مكةَ حتى رَمى بنفسِه بينَ أظهرِ المسلمين ، فقال سهيلٌ : هذا يا محمدُ، أولُ ما أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ. قال: فواللهِ، إذًا لم أُصَالِحْكَ على شيءٍ أبدًا ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي . قال : ما أنا بمجيزِه لكَ . قال: بلى فافْعَلْ . قال : ما أنا بفاعلٍ . قال مِكْرَزٌ : بل قد أَجَزْنَاه لك . قال أبو جندلٍ : أَيْ معشرَ المسلمين ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا ، ألا ترون ما قد لَقِيتُ ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ . قال : فقال عمرُ بنُ الخطابِ : فأَتَيْتُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ : ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدوُّنَا على الباطلِ ؟ قال: بلى. قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنَا إذًا ؟ قال: إني رسولُ اللهِ ، ولَسْتُ أَعْصِيه ، وهو ناصرِي . قلتُ: أَوَلَيْسَ كنتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ؟ قال : قلتُ: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به . قال : فأَتَيْتُ أبا بكرٍ فقُلْتُ : يا أبا بكرٍ ، أليس هذا نبيَّ اللهِ حقًّا ؟ قال: بلى . قلتُ : أَلَسْنَا على الحقِّ، وعدُّونا على الباطلِ ؟ قال : بلى . قلتُ : فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننِا إذًا ؟ قال : أيُّها الرجلُ، إنه لرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس يَعْصِي ربَّه ، وهو ناصرُه ، فاستَمْسِكْ بغرزِه ، فواللهِ إنه على الحقِّ. قلتُ : أليسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سنَأْتِي البيتَ ونَطُوفُ به ؟ قال : بلى ، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّك تَأْتِيه العامَ؟ قلتُ: لا . قال : فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به . قال الزُّهْرِيُّ : قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا . قال : فلما فَرَغَ مِن قضيةِ الكتابِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: قوموا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا . قال : فواللهِ، ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ دخَلَ على أمِّ سَلَمَةَ ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن الناسِ ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ : يانبيَّ اللهِ ، أَتَحُبُّ ذلك ، اخرُجْ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً ، حتى تَنْحَرَ بُدْنَك ، وتَدْعُوَ حالقَك فيَحْلِقَكَ . فخَرَجَ فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك ، نحَرَ بُدْنَه ، ودعا حالقَه فحَلَقَه ، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنَحَرُوا وجعَلَ بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا ، حتى كاد بعضُهم يُقْتَلُ غمًّا ، ثم جاءَه نسوةٌ مُؤْمناتٌ ، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - حتى بلغ - بعصم الكوافر . فطَلَّقَ عمرُ يومئذٍ امرأتين، كانَتَا له في الشركِ ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ ، ثم رجَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فجَاءَه أبو بَصِيرٍ ، رجلٌ مِن قريشٍ وهو مسلمٌ، فأَرْسَلُوا في طلبِه رجلين ، فقالوا : العهدَ الذي جَعَلْتَ لنا . فدَفَعَه إلى الرَّجُلَيْن ، فخَرَجا به حتى إذا بلَغَا ذا الحُلَيْفَةِ ، فنزلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم ، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرجلين : والله إني لأَرى سيفَك هذا يا فلانُ جيدًا ، فاستلَّه الآخرُ ، فقال : أجلِ ، والله إنه لجيدٌ ، لقد جَرَّبْتُ به ، ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بِصِيرٍ : أًرِنِي أنظُرْ إليه؟ فأَمْكَنَه منه ، فضَرَبَه حتى بَرَدَ ، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذُعْرًا . فلما انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بَصِيرٍ، فقال : يا نبيَّ اللهِ ، قد واللهِ أَوْفَى اللهُ ذمتَك ، قد رَدَدْتَني إليهم ، ثم نَجَّانِي اللهُ منهم . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أمِّه ، مِسْعَرُ حربٍ ، لو كان له أحدٌ . فلما سَمِعَ ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم ، فخَرَجَ حتى أتى سِيفَ البحرِ ، قال : ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندلِ بنِ سهيلٍ ، فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسَلَمَ إلا لِحِقَ بأبي بَصِيرٍ ، حتى اجتمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فواللهِ، ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقريشٍ إلى الشَّأْمِ إلا اعترضوا لها ، فقَتَلُوهم وأَخَذُوا أموالَهم ، فأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُه باللهِ والرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ : فمَن آتاه فهو آمنٌ ، فأَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأَنْزَلَ الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية . وكانت حمِيَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ اللهِ ، ولم يَقُرِّوا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ .
إن كل نبي قد أنذر قومه الدجال ، ألا وإنه قد أكل الطعام ، ألا إني عاهد إليكم فيه عهدا لم يعهده نبي إلى أمته ، ألا وإن عينه اليمنى ممسوحة كأنها نخاعة في جانب حائط ، ألا وإن عينه اليسرى كأنها كوكب دري ، معه مثل الجنة والنار ، فالنار روضة خضراء ، والجنة غبراء ذات دخان ، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى ، كلما دخل قرية أنذر أهلها ، وإذا خرجا منها دخل أول أصحاب الدجال ، فيدخل القرى كلها غير مكة والمدينة ؛ حرمتا عليه ، والمؤمنون متفرقون في الأرض فيجمعهم الله – تعالى – فيقول رجل منهم : والله لأنطلقن فلأنظرن هذا الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول له أصحابه : إنا لا ندعك تأتيه ، ولو علمنا أنه لا يفتنك لخلينا سبيلك ، ولكنا نخاف أن يفتنك فتتبعه ، فيأبى إلا أن يأتيه ، فينطلق حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه فسألوه ما شأنه ، وأين يريد ؟ فيقول : أريد الدجال الكذاب . فيقول : أنت تقول ذلك ، فيكتبون إليه : إنا أخذنا رجلا يقول كذا وكذا ، أفنقتله أم نبعث به إليك ؟ فيقول : أرسلوا به إلي ، فانطلقوا به إليه ، فلما رآه عرفه بنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له الدجال : أنت تقول ذلك ، لتطيعني فيما آمرك به أو لأشقنك شقين ، فينادي العبد المؤمن في الناس : يا أيها الناس ، هذا المسيح الكذاب ، فيأمر به ، فمد برجليه ، ثم أمر بحديدة فوضعت على عجز ذنبه فشقه شقين ، ثم قال الدجال لأوليائه : أرأيتم إن أحييت لكم هذا ، ألستم تعلمون أني ربكم ؟ فيقولون : نعم . فيأخذ عصا فيضرب بها إحدى شقيه – أو الصعيد – فاستوى قائما ، فلما رأى ذلك أولياؤه صدقوه وأحبوه ، وأيقنوا به أنه ربهم ، واتبعوه ، فيقول الدجال للعبد المؤمن : ألا تؤمن بي ؟ فقال : أنا الآن أشد بصيرة فيك [ مني ] ، ثم نادى في الناس : يا أيها الناس ، هذا المسيح الكذاب ، من أطاعه فهو في النار ، ومن عصاه فهو في الجنة . فقال الدجال : لتطيعني أو لأذبحنك . فقال : والله لا أطيعك أبدا ، لا أطيعك أبدا ، إنك لأنت الكذاب ، فأمر به فاضطجع وأمر بذبحه فلا يقدر عليه ، لا يسلط عليه إلا مرة واحدة ، فأخذ بيديه ورجليه فألقي في النار ، وهي غبراء ذات دخان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك الرجل أقرب أمتي مني ، وأرفعهم درجة . قال أبو سعيد رضي الله عنه : [ كان يحسب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ذلك الرجل عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله رضي الله عنه ] قلت : فكيف يهلك ؟ قال : الله أعلم . قلت : إن عيسى ابن مريم – عليهما الصلاة والسلام – هو يهلكه ؟ قال : الله أعلم ، غير أن الله – تعالى – يهلكه ومن معه . قلت : فماذا يكون بعده ؟ قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الناس يغرسون بعده الغروس ، ويتخذون من بعده الأموال . قلت : سبحان الله ، أبعد الدجال ؟ قال : نعم ، فيمكثون في الأرض ما شاء الله أن يمكثوا ، ثم يفتح يأجوج ومأجوج فيهلكون من في الأرض إلا من تعلق بحصن ، فلما فرغوا من أهل الأرض أقبل بعضه على بعض فقالوا : إنما بقي من في الحصون ، ومن في السماء ، فيرمون بسهامهم فخرت عليهم منغمرة دما فقالوا : قد استرحتم ممن في السماء ، وبقي من في الحصون ، فحاصروهم حتى اشتد عليهم الحصر والبلاء ، فبينما هم كذلك إذ أرسل الله – تعالى – عليهم نغفا في أعناقهم ، فقصمت أعناقهم ؛ فمال بعضهم على بعض موتى ، فقال رجل [ منهم ] : قتلهم الله رب الكعبة ، قال : إنما يفعلون هذا مخادعة ، فنخرج إليهم فيهلكونا كما أهلكوا إخواننا ، فقال : افتحوا لي الباب ، فقال أصحابه : لا نفتح . فقال : دلوني بحبل فلما نزل وجدهم موتى ؛ فخرج الناس من حصونهم ، فحدثني أبو سعيد رضي الله عنه : أن مواشيهم جعلها الله – تعالى – لهم حياة يقتضمونها ما يجدون غيرها ، قال : وحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس يغرسون بعدهم الغروس ، ويتخذون الأموال . قال : قلت : سبحان الله ، أبعد يأجوج ومأجوج ؟ قال : نعم ، فبينما هم في تجارتهم إذ نادى مناد من السماء : أتى أمر الله ، ففزع أهل الأرض حين سمعوا الدعوة ، وأقبل بعضهم على بعض ، ثم أقبلوا على تجارتهم وأسواقهم وصناعتهم ، فبينما هم كذلك إذ نودوا مرة أخرى : يا أيها الناس ، أتى أمر الله ، فانطلقوا نحو الدعوة التي سمعوا ، وجعل الرجل يفر من غنمه وسلعه قبل الدعوة ، وذهلوا في مواشيهم ، وعند ذلك عطلت العشار ، فبينما هم كذلك يسعون قبل الدعوة إذ لقوا الله – تعالى – في ظلل من الغمام ونفخ في الصور فصعق من في السماء ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فمكثوا ما شاء الله . ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، ثم تجيء جهنم لها زفير وشهيق ، ثم ينادى . .
إن كل نبي قد أنذر قومه الدجال ألا وإنه قد أكل الطعام ألا إني عاهد إليكم فيه عهدا لم يعهده نبي إلى أمته ألا وإن عينه اليمنى ممسوحة كأنها نخاعة في جانب حائط ألا وإن عينه اليسرى كأنها كوكب دري معه مثل الجنة والنار فالنار روضة خضراء والجنة غبراء ذات دخان وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى كلها غير مكة والمدينة حرمتا عليه والمؤمنون متفرقون في الأرض فيجمعهم الله فيقول رجل منهم: والله لأنطلقن فلأنظرن هذا الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له أصحابه: إنا لا ندعك تأتيه ولو علمنا أنه لا يفتنك لخلينا سبيلك ولكنا نخاف أن يفتنك فتتبعه فيأبى إلا أن يأتيه فينطلق حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه فسألوه: ما شأنه وأين يريد ؟ فيقول: أريد الدجال الكذاب فيقولون: أنت تقول ذلك ؟ فيكتبون إليه أنا أخذنا رجلا يقول كذا وكذا فنقتله أم نبعث به إليك ؟ فيقول: أرسلوا به إلي فانطلقوا به إليه فلما رآه عرفه بنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الدجال: أنت الذي تقول ذلك ؟ لتطيعني فيما آمرك به أو لأشقنك شقين فينادي العبد المؤمن في الناس: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب فأمر به فمد برجليه ثم أمر بحديدة فوضعت على عجب ذنبه فشقه شقين ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت هذا ألستم تعلمون أني ربكم ؟ فيقولون: نعم فيأخذ عصا فيضرب إحدى شقيه أو الصعيد فاستوى قائما فلما رأى ذلك أولياؤه صدقوه وأحبوه وأيقنوا به أنه ربهم واتبعوه فيقول الدجال للعبد المؤمن: ألا تؤمن بي ؟ فقال: أنا الآن فيك أشد بصيرة ثم نادى في الناس: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب من أطاعه فهو في النار ومن عصاه فهو في الجنة فقال الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك فقال: والله لا أطيعك أبدا إنك لأنت الكذاب فأمر به فاضطجع وأمر بذبحه فلا يقدر عليه ولا يسلط عليه إلا مرة واحدة فأخذ بيديه ورجليه فألقي في النار وهي غبراء ذات دخان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الرجل أقرب أمتي مني وأرفعهم درجة يوم القيامة قال أبو سعيد: كان يحسب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إن ذلك الرجل عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله رضي الله عنه , قلت: فكيف يهلك ؟ قال: الله أعلم قلت: إن عيسى ابن مريم هو يهلكه قال: الله أعلم غير أن الله يهلكه ومن معه قلت: فماذا يكون بعده ؟ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس يغرسون من بعده الغروس ويتخذون من بعده الأموال قلت: سبحان الله أبعد الدجال ؟ قال: نعم فيمكثون ما شاء الله أن يمكثوا ثم يفتح يأجوج ومأجوج فيهلكون من في الأرض إلا من تعلق بحصن فلما فرغوا من أهل الأرض أقبل بعضهم على بعض فقالوا: إنما بقي من في الحصون ومن في السماء فيرمون سهامهم فخرت عليهم منغمرة دما فقالوا: قد استرحتم ممن في السماء وبقي من في الحصون فحاصروهم حتى اشتد عليهم الحصر والبلاء فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم نغفا في أعناقهم فقصمت أعناقهم فمال بعضهم على بعض موتى فقال رجل منهم: قتلهم الله ورب الكعبة قالوا: إنما يفعلون هذا مخادعة فنخرج إليهم فيهلكونا كما أهلكوا إخواننا فقال: افتحوا لي الباب فقال أصحابه: لا نفتح فقال: دلوني بحبل فلما نزل وجدهم موتى فخرج الناس من حصونهم فحدثني أبو سعيد: أن مواشيهم جعل الله لهم حياة يقصمونها ما يجدون غيرها قال: وحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس يغرسون بعدهم الغروس ويتخذون الأموال قلت: سبحان الله أبعد يأجوج ومأجوج ؟ قال: نعم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبينما هم في تجارتهم إذ نادى مناد من السماء: أتى أمر الله ففزع من في الأرض حين سمعوا الدعوة وأقبل بعضهم على بعض وفزعوا فزعا شديدا ثم أقبلوا بعد ذلك على تجارتهم وأسواقهم وضياعهم فبينما هم كذلك إذ نودوا نادية أخرى: يا أيها الناس أتى أمر الله فانطلقوا نحو الدعوة التي سمعوا وجعل الرجل يفر من غنمه وبيعه ودخلوا في مواشيهم وعند ذلك عطلت العشار فبينما هم كذلك يسعون قبل الدعوة إذ لقوا الله في ظلل من الغمام {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} فمكثوا ما شاء الله {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ثم يجئ بجهنم لها زفير وشهيق ثم جاء آت عنق من النار يسير يكلم يقول: إني وكلت اليوم بثلاث: إني وكلت بكل جبار عنيد ومن دعا مع الله إلها آخر ومن قتل نفسا بغير نفس فيطوى عليهم فيقذفهم في غمرات جهنم وحدثني: أنها أشد سوادا من الليل ثم ينادي آدم فيقول: لبيك وسعديك فيقال: أخرج بعث النار من ولدك قال: يا رب وما هو ؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فذلك حين شاب الولدان وكبر ذلك في صدورنا حتى عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإن من سواكم أهل الشرك كثير ويحبس الناس حتى يبلغ العرق يديهم فبينما هم كذلك إذ عرف رجل أباه وهو مؤمن وأبوه كافر فقال: يا أبة ألم أكن آمرك أن تقدم ليومك هذا ؟ فقال: يا بني اليوم لا أعصيك شيئا والأمم جثوا كل أمة على ناحيتها فأتى اليهود فقيل لهم: ما كنتم تعبدون ؟ قالوا: كنا نعبد كذا وكذا فقيل له وقيل لهم: ردوا فوردوا يحسبونه ماء فوجدوا الله فوفاهم حسابه والله سريع الحساب ثم فعل بالنصارى والمجوس وسائر الأمم ما فعل باليهود ثم أتى المسلمون فقيل لهم: من ربكم ؟ فقالوا: الله ربنا قيل: ومن نبيكم ؟ قالوا: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الصراط محاجن من حديد والملائكة يختطفون رجالا فيلقونهم في جهنم وجعلت المحاجن تمسك رجالا تأكلهم النار إلا صورة وجهه لا تمسه النار فإذا خلص من جهنم ما شاء الله أن يخلص وخلص ذلك الرجل يأتيه فمن خلص قيل له: هذه الجنة فادخل من أي أبوابها شئت وأرسل هذا الرجل فقال: رب هذا أبي ووصيت لي أن لا تخزيني فشفعني في أبي فقيل: انظر أسفل منك فإذا هو بدابة خبيثة الريح تشبه اللون في مراغة خبيثة فرأيته ممسكا بأنفه وجبهته قال: يقول ذلك الرجل وهو آخذ بأنفه وجبهته من خبث ريحه أي رب ليس هذا أبي فأخذ أبوه فألقي في النار وحرم الله الجنة على الكافرين فلما خلص من شاء الله أن يخلص تفقد الناس بعضهم بعضا فقالوا: ربنا إن رجالا كانوا يصلون ويصومون ويجاهدون معنا أين هم ؟ فقيل لهم: ادخلوا فمن عرفتم فأخرجوه فوجدوا المحاجن التي على الصراط قد أمسكت رجالا قد أكلتهم النار إلا صورة أحدهم يعرف بها فالتبسوا فألقوا على الجنة قالوا: ربنا نحن الآن في مسألتنا أشد رغبة أرأيت رجالا كانوا يصلون ويصومون ويجاهدون معنا أين هم ؟ قيل لهم: ادخلوا فمن عرفتم فأخرجوه فثلجت حتى بردت على المؤمنين فدخلوا ووجدوا الذين تخطفهم الملائكة يمينا وشمالا قد أكلتهم النار إلا صورة أحدهم يعرف بها فألبسوهم فأخرجوهم فألقوهم على باب الجنة. قال: وحدثني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا كل نبي قد أعطي عطية وينجزها وإني أخبأت عطيتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ووضعت الموازين وأذن في الشفاعة فأعطي كل ملك أو نبي أو صديق أو شهيد شفاعته حتى يرضى فقال لهم ربهم: أقد رضيتم ؟ قالوا: نعم قد رضينا ربنا قال: أنا أرحم بخلقي منكم: أخرجوا من النار من في قلبه وزن خردلة من إيمان فأخرج من ذلك شيء لا يعلم بعدده إلا الله فألقوا على باب الجنة فأرسل عليهم من ماء الجنة فينبتوا فيها نبات التعازير وأدخل الذين أخرجوا من النار الجنة كلهم إلا رجلا واحدا وأغلق باب الجنة دونه ووجهه تلقاء النار فقال ذلك الرجل: يا رب لا أكون أشقى خلقك بل اصرف وجهي عن النار إلى الجنة فقيل له: لعلك تسأل غير هذا ؟ فقال: لا فصرف وجهه عن النار إلى الجنة فيقول: أي رب قربني من هذا الباب ألزق به وأكون في ظله فقيل له: ألم تزعم أنك لا تسأل شيئا إلا أن يصرف وجهك عن النار ؟ قال: يا رب لا أسألك غير هذا فقرب إلى الباب فلزق به ففرج من الباب فرجة إلى الجنة فحدثني أن فيها: شراط أبيض في أدناه شجرة وفي أوسطه شجرة وفي أقصاه شجرة فقال: يا رب أدنني من هذه الشجرة فأكون في ظلها فقيل له: ألم تزعم أنك لست تسأل شيئا ؟ قال: يا رب أسألك هذا ثم لا أسألك غيره قال: قربني إلى تلك الشجرة فكانت تلك مسألته حتى صار إلى الوسطى وإلى القصوى فلما أتى القصوى أرسل الله رسولان فقالا له: سل ربك فقال: فما أسأله سوى ما أنا فيه فقالا: نعم سل ربك فسأله وجعل الرسولان يقولان له: سل ربك من كذا وكذا وسل ربك من كذا وكذا لشيء لم يخطر على قلبه أنه خلق أو أنه كان فسأل ربه مما يعلم ومما يأمران الرسولان حتى انتهت نفسه فقيل له: فإنه لك وعشرة أمثاله قال: وحدثني أبو سعيد أن ذلك الرجل هو أدنى أهل الجنة منزلا.
سألت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، عن قول الله , عز وجل لموسى صلى الله عليه وسلم : وفتناك فتونا ، فسألته عن الفتون ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن لها حديثا طويلا ، قال : فغدوت على ابن عباس لأنتجز ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، وقد كانوا يظنون يظنون أنه يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان ، إن الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، قال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا ، واجتمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا بالشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا ذلك ، فلما أن رأوا أن الكبار في بني إسرائيل ، يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون ، قالوا : أتوشكون أن تفنوا بني إسرائيل ، فتصبروا إلى أن تباشروا من الأعمال ، والخدمة التي كانوا يكفونكم ؟ فاقتلوا عاما كل مولود ذكر ، فيقل نباتهم ، ودعوا عاما ، فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار ، مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إباكم ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم ، فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون عليهما السلام العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية ، فلما كان من قابل ، حملت بموسى , عليه السلام ، فوقع في قلبها من الهم والحزن ، فذلك من الفتون يا ابن جبير ، ما دخل عليه في دهو بطن أمه مما يراد به ، فأوحى الله تعالى إليها : ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، وأمرها أن إذا ولدت أن تجعله في تابوت ، ثم تلقيه في اليم ، فلما ولدت فعلت ذلك به ، فألقته في اليم ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذبح لبث عندي فرأيته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه ، وانتهى الماء به حتى أرفأ به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت فقالت بعضهن : إن في هذا مالا ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه بهيئة لم يحركن منه شيئا ، دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقى عليه منها محبة لم تلق مثلها على البشر قط ، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام ، فلما سمع الذابحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فقالت للذباحين : أقروه ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم ، فأتت به فرعون فقالت : قرة عين لي ولك ، قال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي في ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي أحلف به ، لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك ، فأرسلت إلى من حولها ، من كل امرأة لها لبن ، تختار لها ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن فترضعه لم يقبل ثديها ، حتى أشفقت عليه امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق وتجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل ، وأصبحت أم موسى والهة ، فقالت لأخته : قصيه ، يعني أثره ، واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله عز وجل وعدها فيه به ، أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، وتخبت أن بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤارت : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك ؟ فذلك من الفتون يا بن جبير ، فقالت : نصيحتهم له وشفقتهم عليه رغبة في ظهور ملك ، ورجاء منفعته ، فأرسلوها ، فانطلقت إلى أمها فأحب بها الخبر ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها ، نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك ، فأرسلت إليها ، فأوتيت بها وبه ، فلما رأت ما يصنع قالت لها : امكثي عندي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحجبه شيئا قط ، فقالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينه فأذهب به إلى منزلي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى عليه السلام ما كان الله , عز وجل , وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت بأن الله عز وجل ينجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها ، فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين يمتنعون به من السخرة ما كان فيهم ، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن تريني ابني ، فوعدتها يوما تريها فيه إياه ، فقالت امرأة فرعون لخزانها ، وظؤورتها ، وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية ، وكرامة ، لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا ، والكرامة ، والنحلة ، تستقبله من حين خرج من بيت أمه ، إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها بجلته ، وأكرمته ، وفرحت به ، وأعجبها ، ونحلت أمه لحسن أثره ، ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه ، وليكرمنه ، فلما دخلت به عليه ، جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى إلى ما وعد الله عز وجل إبراهيم نبيه عليه السلام أنه يرثك ، ويعلوك ، ويصرعك ، فأرسل إلى الذباحين ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به ، أو أريد به فتونا ، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ، قال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ، قالت : أجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهما إليه ، فإن بش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فانتزعوهما من يده وخافت أن يحرقا يديه ، فقالت المرأة : ألا ترى ، فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به ، وكان الله عز وجل بالغا فيه أمره ، فلما بلغ أشده وصار من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ، ولا يخرج حتى يمنعوا كل الامتناع ، فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني ، والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا ، لأنه تناول وهو يعلم منزلة موسى عليه السلام من بني إسرائيل وحفظه لهم إلا يعلم الناس ، إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله , عز وجل , أطلع موسى عليه السلام من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى , عليه السلام , الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله , عز وجل ، فقال موسى عليه السلام حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، ثم قال : رب إني ظلمت إلى قوله : إنه هو الغفور الرحيم ، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، فأتي فرعون فقيل : إن بني إسرائيل قد قتلت رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ، ولا ترخص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن شهد عليه ، فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ، ولا يثبت ، فانظروا في علم ذلك آخذ لكم بحقكم ، فبينا هم يطوفون لا يجدون شيئا ، إذا موسى , عليه السلام , قد رأى في الغد ذلك الإسرائيلي يقتل رجلا من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى , عليه السلام , قد ندم على ما كان منه ، فكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال الإسرائيلي : لما فعل أمس واليوم إنك لغوي مبين ، فنظر الإسرائيلي إلى موسى عليه السلام بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل به الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : إنك لغوي مبين إياه أراد ، ولم يكن أراده ، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي ، فحاجز الفرعوني ، فقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى عليه السلام أن يقتله ، فتنازعا ، فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى عليه السلام ، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئهم يطلبون موسى عليه السلام وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى عليه السلام من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى عليه السلام فأخبره ، فذلك من الفتون يا ابن جبير , فخرج موسى , عليه السلام , متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك ، وليس له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه عز وجل فإنه قال : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون إلى تذودان يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم ، فسقى لهما فجعل يغرف بالدلو ماء كثيرا ، حتى كانتا أول الرعاء فراغا ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة ، وقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، فاستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا باطنا ، فقال : إن لكما اليوم لشأنا ، فأخبرتاه لما صنع موسى عليه السلام ، فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فأتت موسى عليه السلام فدعته ، فلما كلمه قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ، ولا لقومه علينا سلطان ، ولسنا في مملكته ، قال : فقالت إحداهما : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين فاحتملته الغيرة على أن قال : وما يدريك ما قوته ؟ وما أمانته ؟ قالت : أما قوته : فما رأيت في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط في ذلك المسقى أقوى منه ، وأما أمانته : فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة ، صوب رأسه لم يرفعه ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتك ، ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، لم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت له ، فقال له : هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين إلى قوله : من الصالحين ، ففعل ، فكانت على نبي الله موسى , عليه السلام ثماني سنين واجبة ، وكانت سنتان عدة منه ، فقضى الله , عز وجل , عنه عدته فأتمها عشرا ، قال سعيد : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ، فقال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟ قلت : لا وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله عليه السلام واجبة ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ، وتعلم أن الله عز وجل كان قاضيا عن موسى عليه السلام عدته التي وعد ، فإنه قضى عشر سنين ، فلقيت النصراني ، فأخبرته بذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ؟ قلت : أجل ، وأولى فلما سار موسى عليه السلام بأهله كان من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه عز وجل ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فأتاه الله , عز وجل سؤله ، وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله عز وجل إلى هارون عليه السلام وأمره أن يلقاه واندفع موسى عليه السلام بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام وانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما حينا على بابه لا يؤذن لهما فقالا : إنا رسولا ربك قال : فمن ربكما يا موسى فأخبراه بالذي قص الله عز وجل عليك في القرآن قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل واعتذر بما قد سمعت ، وقال : أريد أن تؤمن بالله وأن ترسل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة فازعة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها ، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى عليه السلام أن يكفها عنه ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برص ، فردها فعادت إلى لونها الأول ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ... الآية : والمثلى ملكهم الذي هم فيه والعيش ، فأبوا على موسى , عليه السلام , أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له : اجمع لهما السحرة ، فإنهم بأرضك كثير حتى نغلب سحرهما ، وأرسل في المدائن فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا على فرعون ، قالوا : ما يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل الحيات ، قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر والحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببته ، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى , قال سعيد : فحدثني ابن عباس ، أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله عز وجل فيه موسى عليه السلام على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء ، فلما اجتمعوا في صعيد ، قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فنتخبر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، يعنون موسى وهارون عليهما السلام استهزاء بهما ، فقالوا : يا موسى ، لقدرتهم في أنفسهم بسحرهم ، إما أن تلقي ، وإما أن نكون نحن الملقين قال : بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، فرأى موسى عليه السلام من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحى الله عز وجل إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها ، صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها ، فجعلت العصي بدعوة موسي عليه السلام تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا إلى الثعبان ، فدخل فيه حتى ما أبقت عصا ، ولا حبلا إلا ابتلعته ، فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا : لو كان هذا سحر لم يبلغ من سحرنا كل هذا ، ولكنه أمر من الله ، آمنا بالله ربنا وما جاء به موسى عليه السلام ، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا عليه ، وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وأظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو بالنصر لموسى عليه السلام على فرعون ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما تبذلت لشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى عليه السلام ، فلما طال مكث موسى عليه السلام لمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت ، أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ، فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، آيات مفصلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى عليه السلام ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه ، أخلف موعده ونكث عهده ، فأمر موسى عليه السلام بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا ، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا ، أرسل في المدائن حاشرين ، فتبعهم بجنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله عز وجل إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق له اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى عليه السلام ومن معه ، ثم التئم على من بقي بعد من فرعون وأشياعه ، فنسي موسى عليه السلام أن يضرب البحر بالعصا فانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضرب به موسى عليه السلام ، وهو غافل فيصير عاصيا الله عز وجل ، فلما تراءى الجمعان وتقاربا ، قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ، افعل ما أمرك به ربك عز وجل ، فإنك لم تكذب ولم تكذب ، فقال : وعدني ربي عز وجل إذا أتيت البحر انفرق لي اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى عليه السلام ، فانفرق البحر كما أمره الله عز وجل وكما وعد موسى عليه السلام ، فلما أن جاوز موسى عليه السلام وأصحابه البحر ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى عليه السلام البحر قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون قد غرق ، ولا نؤمن هلاكه ، فدعا ربه عز وجل فأخرجه له بيديه حتى استيقنوا بهلاكه ، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، إلى وباطل ما كانوا يعملون ، قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ، ومضى فأنزلهم موسى عليه السلام منزلا ثم قال لهم : أطيعوا هارون عليه السلام فإني قد استخلفته عليكم ، وإني ذاهب إلى ربي عز وجل ، وأجلهم ثلاثين يوما ، أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن ، وكره أن يكلم ربه عز وجل وريح فمه ريح فم الصائم ، فتناول موسى عليه السلام من نبات الأرض شيئا فمضغه ، فقال له ربه عز وجل حين لقاه : لم أفطرت ؟ وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح ، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، ارجع حتى تصوم عشرا ثم ائتني ، ففعل موسى عليه السلام ما أمر به ، فلما رأى قوم موسى عليه السلام أنه لم يرجع إليهم للأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون عليه السلام قد خطبهم ، فقال لهم : خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندي عواري وودائع ، ولكم فيهم مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أجل لكم وديعة استودعتموها ، ولا عارية ، ولسنا برادي إليهم شيئا من ذلك ، ولا ممسكيه لأنفسنا ، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عليهم شيء من ذلك من متاع ، أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال : لا يكون لنا ، ولا لهم ، وكان السامري رجل من قوم يعبدون البقر جيران لهم ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثرا ، فأخذ منه بقبضته ، فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام : يا سامري ، ألا تلقي ما في يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن تكون ما أريد ، فألقاها ودعا الله هارون عليه السلام فقال : أريد أن يكون عجلا ، واجتمع ما كان في الحفرة من متاع له ، أو حلية ، أو نحاس ، أو حديد ، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار , قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فمه ، فكان ذلك الصوت من ذلك ، فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري ما هذا فأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم عز وجل ولكن موسى عليه السلام أضل الطريق ، وقالت فرقة : لا تكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه ، وإن لم يكن ربنا ، فإنا نتبع قول موسى عليه السلام ، وقالت فرقة : هذا علم الشيطان ، وليس بربنا ، ولا نؤمن ، ولا نصدق ، وأشرب فرقة ، في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل ، وأعلنوا التكذيب ، فقال لهم هارون عليه السلام : يا قوم : إنما فتنتم به ، وإن ربكم ليس هكذا ، قالوا : فما بال موسى عليه السلام وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا ، فهذه أربعون قد مضت ، فقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه ، فلما كلم الله عز وجل موسى عليه السلام وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه بعده ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وقال لهم : ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه ، وألقي الألواح من الغضب ثم عذر أخاه بعذره ، واستغفر له ، وانصرف إلى السامري ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها ، وعمت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك إلى قوله : نسفا ، ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه ، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون عليه السلام ، فقالوا بجماعتهم لموسى عليه السلام : سل لنا ربك عز وجل أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا ، فاختار موسى عليه السلام قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم من قومه ، ووفده حين فعل بهم ما فعل فقال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من قد كان الله عز وجل اطلع على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به ، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون إلى : في التوراة والإنجيل فقال : رب سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخرتني حين تخرجني حبا في أمة ذلك الرجل المرحومة ، فقال الله له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد ، أو ولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن ، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون عليهما السلام ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم ، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله للقاتل والمقتول ، ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، وأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف ، فثقل ذلك عليهم ، وأبوا أن يقروا بها ، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل والأرض ، والكتاب بأيدهم وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا إلى الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة قوم جبارين خلقهم منكر ، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ، قال رجلان من الذين يخافون من الجبارين آمنا بموسى عليه السلام ، فخرجا إليه ، فقالا : نحن أعلم بقومنا ، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم لا قلوب لهم ، ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويقول أناس : إنهما من قوم موسى عليه السلام , وزعم سعيد بن جبير أنهما من الجبارين ، آمنا بموسى بقوله : من الذين يخافون ، إنما عنى بذلك من الذين يخافون بني إسرائيل قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأغضبوا موسى عليه السلام ، فدعا عليهم ، وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك ، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ ، فاستجاب الله عز وجل له ، فسماهم كما سماهم موسى عليه السلام فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ، ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرهم حجرا مربعا ، وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجر منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاثة أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من منزل إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منه أمس.
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
لا مزيد من النتائج