نتائج البحث عن
«أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم»· 50 نتيجة
الترتيب:
أنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُهاجِرًا استأذَنَتْ أبا العاصِ بنَ ربيعٍ زوجَها أنْ تذهَبَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأذِن لها فقدِمَتْ عليه ثمَّ إنَّ أبا العاصِ لحِق بالمدينةِ فأرسَل إليها أنْ خُذي لي أمانًا مِن أبيكِ فخرَجَتْ فاطَّلَعَتْ برأسِها مِن بابِ حُجرتِها ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصُّبحِ يُصلِّي بالنَّاسِ فقالت يا أيُّها النَّاسُ أنا زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنِّي قد أجَرْتُ أبا العاصِ فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصَّلاةِ قال يا أيُّها النَّاسُ إنِّي لَمْ أعلَمْ بهذا حتَّى سمِعْتُموه ألَا وإنَّه يُجيرُ على المُسلِمينَ أدناهم
أنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُهاجرًا استأذنَتْ أبا العاصِ بنِ الربيعِ زوجَها أن تذهبَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأَذِن لها فقدِمتْ عليه ثم إنَّ أبا العاصِ لحِقَ بالمدينةِ فأرسل إليها أن خُذِي لي أمانًا من أبيك فخرجتْ فاطَّلعتْ برأسِها من باب حُجرتِه ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الصبحِ يصلِّي بالناسِ فقالت يا أيها الناسُ إني زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وإني قد أَجرْتُ أبا العاصِ فلما فرغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من الصلاة قال يا أيها الناسُ إني لم أعلمْ بهذا حتى سمعتُموه ألا وإنه يُجِيرُ على المسلمين أدْناهم
أنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُهاجرًا استأذنتْ أبا العاصِ بنَ الربيعِ زوجَها أن تذهبَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأَذِنَ لها ، فقدمتْ عليه ، ثم إنَّ أبا العاصِ لحق بالمدينةِ ، فأرسل إليها : أن خُذي لي أمانًا من أبيكِ ، فخرجتْ فأطلَّتْ برأسِها من بابِ حُجرتِها ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الصُّبحِ يُصلِّي بالناسِ ، فقالتْ : يا أيها الناسُ أنا زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإني قد أَجَرْتُ أبا العاصِ ، فلما فرغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من الصلاةِ قال : يا أيها الناسُ إني لم أعلمْ بهذا حتى سمعتُموه ، ألا وإنه يُجيرُ على المسلمينَ أدْناهم
أنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استأذَنَتْ أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ زوجَها حينَ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُهاجِرًا أن تذهَبَ إليه فأذِنَ لها فقدِمَتْ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ إنَّ أبا العاصِ لحِقَها بالمدينةِ فأرسَل إليها أن خُذي لي مِن أبيك أمانًا فأطلَعَتْ رأسَها مِن بابِ حُجرتِها ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي بالنَّاسِ الصُّبحَ فقالت أيُّها النَّاسُ إنِّي زينبُ وإنِّي قد أجَرْتُ أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الصَّلاةِ قال أيُّها النَّاسُ إنِّي لا عِلْمَ لي بهذا حتَّى سمِعْتُه الآنَ وإنَّه يُجيرُ على النَّاسِ أدناهم
كان في الأسارى يوم بدر أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وكان لهالة بنت خويلد خديخة خالته فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه زينب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها وكان قبل أن ينزل عليه وكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالنبوة وآمنت به خديجة وبناته وصدقنه وشهدن أن ما جاء به هو الحق ودن بدينه وثبت أبو العاص على شركه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم فلما نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا بأمر الله ونادوه قال إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت فقال لا هاء الله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيرا فيما بلغني فمشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا طلق امرأتك بنت محمد ونحن نزوجك أي امرأة من قريش فقال إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد ففارقها ولم يكن عدو الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له وخلف عثمان بن عفان عليها بعده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص بن الربيع إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهي مقيمة معه بمكة فلما سارت قريش إلى بدر سار معهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارى يوم بدر وكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه ووعده ذلك أن يخلي سبيل زينب إليه إذ كان فيما شرط عليه في إطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال كونا ببطن ناجح حتى تمر بكما زينب فتصحبانها فتأتياني بها فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت جهرة قال ابن إسحاق قال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثت عن زينب أنها قالت بينما أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة فقالت يا بنت عمي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو ما تبلغين به إلى أبيك فلا تضطني منه فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال قالت ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك فتجهزت فلما فرغت من جهازي قدم إلي حمي كنانة بن الربيع أخو زوجي بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودجها وتحدثت بذلك رجال قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ونافع بن عبد القيس الزهري فروعها هبار وهي في هودجها وكانت حاملا فيما يزعمون فلما وقعت ألقت ما في بطنها فبرك حموها ونثر كنانته وقال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وجاء أبو سفيان في جلة من قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف وأقبل أبو سفيان فأقبل عليه فقال إنك لم تصب خرجت بامرأة على رؤوس الناس نهارا وقد علمت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية من بين ظهرانينا أن ذلك من ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن وإنه لعمري ما لنا في حبسها عن أبيها حاجة ولكن أرجع المرأة حتى إذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها قال ففعل وأقامت ليالي حتى إذا هدأ الناس خرج بها ليلا فأسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة وكانت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق الإسلام بينهما حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بأموال له وأموال لقريش أبضعوها معه فلما فرغ من تجارته أقبل قافلا فلحقته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص بن الربيع تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجارها فأجارته وجاء في طلب ماله فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الصبح كما حدثني يزيد بن رومان فكبر وكبر الناس خرجت زينب من صفة النساء وقالت أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس أسمعتم قالوا نعم قال أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعته إنه ليجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل على ابنته فقال يا بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص بن الربيع إن هذا الرجل منا قد علمتم أصبتم له مالا فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به قالوا يا رسول الله نرده فردوا عليه ماله حتى إن الرجل يأتي بالحبل ويأتي الرجل بالشنة والإداوة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى إذا ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا احتمل إلى مكة فرد إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا وجزاك الله خيرا فقد وجدناك عفيفا كريما قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فأما إذ أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان في الأُسارى يومَ بدرٍ أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ عبدِ شمسٍ خَتَنُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زوجُ ابنتِه وكان أبو العاصِ مِن رجالِ مكَّةَ المعدودين مالًا وأمانةً وكان لهالةَ بنتِ خويلدٍ خديجةُ خالَتُه فسألَتْ خديجةُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُزَوِّجَه زينبَ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يخالِفُها وكان قَبلَ أن يُنزَلَ عليه وكانت تعُدُّه بمنزلةِ ولدِها فلمَّا أكرَم اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنُّبُوَّةِ وآمَنَتْ به خديجةُ وبناتُه وصدَّقْنَه وشهِدْنَ أنَّ ما جاء به هو الحقُّ ودِنَّ بدِينِه وثبَت أبو العاصِ على شِرْكِه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد زوَّج عُتبةَ بنَ أبي لهبٍ إحدى ابنتَيه رُقيةَ أو أمَّ كُلْثومٍ فلمَّا نادى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُرَيشًا بأمرِ اللهِ ونادَوه قال إنَّكم قد فرَّغْتُم محمَّدًا مِن هَمِّه فرُدُّوا عليه بناتِه فاشْغِلوه بهنَّ فمشَوا إلى أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ فقالوا فارِقْ صاحِبَتَك ونحن نُزَوِّجُك أيَّ امرأةٍ شئْتَ فقال لاها اللهِ إذًا لا أفارِقُ صاحِبَتي وما أحِبُّ أنَّ لي بامرأتي امرأةً مِن قريشٍ فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُثني عليه في صِهرِه خيرًا فيما بلَغني فمشَوا إلى الفاسقِ عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ فقالوا طلِّقِ امرأتَك بنتَ محمَّدٍ ونحن نُزَوِّجُك أيَّ امرأةٍ مِن قريشٍ فقال إنْ زوَّجْتُموني بنتَ أبانِ بنِ سعيدٍ ففارَقَها ولم يكُنْ عدوُّ اللهِ دخَل بها فأخرَجَها اللهُ مِن يدِه كرامةً لها وهوانًا له وخَلَف عثمانُ بنُ عفَّانَ عليها بعدَه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُحِلُّ بمكَّةَ ولا يُحْرِمُ مغلوبًا على أمرِه وكان الإسلامُ قد فرَّق بينَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبينَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ إلَّا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان لا يَقدِرُ على أن يُفرِّقَ بينهما فأقامت معه على إسلامِها وهو على شِرْكِه حتَّى هاجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ وهي مُقيمةٌ معه بمكَّةَ فلمَّا سارت قريشٌ إلى بدرٍ سار معهم أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ فأُصيبَ في الأُسارى يومَ بدرٍ وكان بالمدينةِ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال ابنُ إسحاقَ فحدَّثَني يحيى بنُ عبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أبيه عبَّادٍ عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت لمَّا بعَث أهلُ مكَّةَ في فِداء أسْراهم بعَثَتْ زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في فِداء أبي العاصِ وبعثَتْ فيه بقِلادةٍ كانت خديجةُ أدخَلَتْها بها على أبي العاصِ حينَ بنى عليها فلمَّا رآها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَقَّ لها رِقَّةً شديدةً وقال إنْ رأيْتُم أن تُطلِقوا لها أسيرَها وترَدُّوا عليها الَّذي لها فافعَلوا فقالوا نعم يا رسولَ اللهِ فأطلَقوه وردُّوا عليها الَّذي لها قال وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أخَذ عليه ووعَده ذلك أن يُخَلِّي سبيلَ زينبَ إليه إذ كان فيما شرَط عليه في إطلاقِه ولم يظهَرْ ذلك منه ولا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُعْلَمَ إلَّا أنَّه لمَّا خرَج أبو العاصِ إلى مكَّةَ وخلَّى سبيلَه بعَث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدَ بنَ حارثةَ ورجلًا مِنَ الأنصارِ فقال كونا ببطنِ ناجحٍ حتَّى تمُرَّ بكما زينبُ فتصحَبانِها فتأتياني بها فلمَّا قدِم أبو العاصِ مكَّةَ أمَرها باللُّحوقِ بأبيها فخرَجَتْ جَهْرةً قال ابنُ إسحاقَ قال عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ حُدِّثْتُ عن زينبَ أنَّها قالت بينما أنا أتجهَّزُ بمكَّةَ للُّحوقِ بأبي لقِيَتْني هندُ بنتُ عُتبةَ فقالت يا بنتَ عمِّي إنْ كانت لكِ حاجةٌ بمتاعٍ مما يرفُقُ بكِ في سفرِكِ أو ما تبلُغِينَ به إلى أبيكِ فلا تَضْطَنِّي منه فإنَّه لا يدخُلُ بينَ النِّساءِ ما بينَ الرِّجالِ قالت وواللهِ ما أُراها قالت ذلك إلَّا لِتفعَلَ ولكنِّي خِفْتُها فأنكَرْتُ أن أكونَ أُريدُ ذلك فتجهَّزْتُ فلمَّا فرَغْتُ مِن جِهازي قدَّم إليَّ حَمِيِّ كِنانةُ بنُ الرَّبيعِ أخو زوجي بعيرًا فركِبْتُه وأخَذ قوسَه وكِنانتَه ثمَّ خرَج بها نهارًا يقودُ بها وهي في هَودجِها وتحدَّثَتْ بذلك رجالُ قريشٍ فخرَجوا في طَلَبِها حتَّى أدركوها بذي طُوًى وكان أوَّلَ مَن سبَق إليها هَبَّارُ بنُ الأسودِ بنِ المطَّلبِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ ونافعُ بنُ عبدِ القيسِ الزُّهرِيُّ فروَّعها هَبَّارٌ وهي في هَودَجِها وكانت حاملًا فيما يزعُمون فلمَّا وقَعَتْ ألقَتْ ما في بطنِها فبرَك حَمُوها ونثَر كِنانتَه وقال واللهِ لا يدنو منِّي رجلٌ إلَّا وضَعْتُ فيه سهمًا فتكَرْكَرَ النَّاسُ عنه وجاء أبو سفيانَ في جُلَّةٍ مِن قريشٍ فقال أيُّها الرَّجلُ كُفَّ عنَّا نَبْلَك حتَّى نُكَلِّمَك فكَفَّ وأقبَل أبو سفيانَ فأقبَل عليه فقال إنَّك لم تُصِبْ خرَجْتَ بامرأةٍ على رؤوسِ النَّاسِ نهارًا وقد علِمْتَ مُصيبتَنا ونَكْبَتَنا وما دخَل علينا مِن محمَّدٍ فيظنُّ النَّاسُ إذا خرَجَتْ إليه ابنتُه عَلانِيَةً مِن بينِ ظَهْرانينا أنَّ ذلك مِن ذُلٍّ أصابنا عن مُصيبتِنا الَّتي كانت وأنَّ ذلك مِنَّا ضَعْفٌ ووَهَنٌ وإنَّه لعَمْري ما لنا في حَبْسِها عن أبيها حاجةٌ ولكِنِ ارجِعِ المرأةَ حتَّى إذا هدَأَ الصَّوتُ وتحدَّث النَّاسُ أنَّا قد ردَدْناها فسُلَّها سِرًّا وألحِقْها بأبيها قال ففعَل وأقامت لياليَ حتَّى إذا هدَأ النَّاسُ خرَج بها ليلًا فأسلَمَها إلى زيدِ بنِ حارثةَ وصاحبِه فقَدِمْنا بها على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأقام أبو العاصِ بمكَّةَ وكانت زينبُ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد فرَّق الإسلامُ بينَهما حتَّى إذا كان قُبَيلَ الفتحِ خرَج أبو العاصِ تاجرًا إلى الشَّامِ وكان رجلًا مأمونًا بأموالٍ له وأموالٍ لقريشٍ أبضَعوها معه فلمَّا فرَغ مِن تجارتِه أقبَل قافِلًا فلحِقَتْه سَرِيَّةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأصابوا ما معه وأعجَزَهم هاربًا فلمَّا قدِمَتِ السَّريَّةُ بما أصابوا مِن مالِه أقبَل أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ تحتَ اللَّيلِ حتَّى دخَل على زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستجارَها فأجارَتْه وجاء في طلَبِ مالِه فلمَّا خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى صلاةِ الصُّبحِ كما حدَّثَني يزيدُ بنُ رُومانَ فكبَّر وكبَّر النَّاسُ خرَجَتْ زينبُ مِن صُفَّةِ النِّساءِ وقالت أيُّها النَّاسُ إنِّي قد أجَرت أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ فلمَّا سلَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصَّلاةِ أقبَل على النَّاسِ فقال أيُّها النَّاسُ أسمِعْتُم قالوا نعم قال أمَا والَّذي نفسي بيدِه ما علِمْتُ بشيءٍ كان حتَّى سمِعْتُه إنَّه لَيُجيرُ على المسلمين أدناهم ثمَّ انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى دخَل على ابنتِه فقال يا بُنَيَّةُ أكْرِمي مثواه ولا يَخْلُصْ إليكِ فإنَّك لا تحِلِّينَ له قال ابنُ إسحاقَ وحدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَث إلى السَّريَّةِ الَّذين أصابوا مالَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ إنَّ هذا الرَّجلَ منَّا قد علِمْتُم أصَبْتُم له مالًا فإن تُحسِنوا وترُدُّوا عليه الَّذي له فإنَّا نُحِبُّ ذلك وإنْ أبيْتُم فهو فَيءُ اللهِ الَّذي أفاءه عليكم فأنتم أحقُّ به قالوا يا رسولَ اللهِ نردُّه فرَدُّوا عليه مالَه حتَّى إنَّ الرَّجلَ يأتي بالحَبْلِ ويأتي الرَّجلُ بالشَّنَّةِ والإداوةِ حتَّى إنَّ أحدَهم ليأتي بالشِّظَاظِ حتَّى إذا ردُّوا عليه مالَه بأسْرِه لا يُفقِدُ منه شيئًا احتمَل إلى مكَّةَ فردَّ إلى كلِّ ذي مالٍ مِن قريشٍ مالَه ممَّن كان أبضعَ معه ثمَّ قال يا معشرَ قريشٍ هل بقِيَ لأحدٍ منكم عندي مالٌ لم يأخُذْه قالوا لا وجزاكَ اللهُ خيرًا فقد وجَدْناك عفيفًا كريمًا قال فإنِّي أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه واللهِ ما منَعَني مِنَ الإسلامِ عندَه إلَّا تخوُّفُ أن تظُنُّوا أنِّي إنَّما أردْتُ أن آكُلَ أموالَكم فأمَّا إذ أدَّاها اللهُ إليكم وفرَغْتُ منها أسلَمْتُ وخرَج حتَّى قدِم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأها اللهُ، وكلٌّ حدَّثني بطائفةٍ مِن الحديثِ، وبعضُهم أوعى لحديثِها مِن بعضٍ وأسَدُّ اقتصاصًا، وقد وعَيْتُ مِن كلِّ واحدٍ الحديثَ الَّذي حدَّثني به، وبعضُهم يُصدِّقُ بعضًا، ذكَروا أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أنْ يخرُجَ سفرًا أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معه، قالت: فأقرَع بينَنا في غزوةٍ غزاها فخرَج سهمي فخرَجْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وذلك بعدَ أنْ أُنزِل الحجابُ فأنا أُحمَلُ في هَودجي وأنزِلُ فيه مسيرَنا حتَّى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غزوتِه تلك وقفَل ودنَوْنا مِن المدينةِ آذَن بالرَّحيلِ ليلةً فقُمْتُ [ حينَ آذَنوا ] في الرَّحيلِ، فمشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ فلمَّا قضَيْتُ شأني رجَعْتُ فلمَسْتُ صدري فإذا عِقدٌ مِن جَزْعِ ظَفارِ قد وقَع فرجَعْتُ فالتمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُه وأقبَل الرَّهطُ الَّذينَ يرحَلونَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحمَلوا هَودجي ورحَلوه على البعيرِ الَّذي كُنْتُ أركَبُ وهم يحسَبون أنِّي فيه قالت عائشةُ: وكان النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يغشَهنَّ اللَّحمُ فرحَلوه ورفَعوه فلمَّا بعَثوا وسار الجيشُ وجَدْتُ عِقدي بعدَما استمرَّ الجيشُ فجِئْتُ منازلَهم وليس بها داعي ولا مجيبٌ، فأقَمْتُ منزلي الَّذي كُنْتُ فيه فبَيْنا أنا جالسةٌ غلَبتْني عيني فنِمْتُ وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ عرَّس فأدلَج فأصبَح عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ فعرَفني حينَ رآني وكان رآني قبْلَ أنْ ينزِلَ الحجابُ فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفني فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي واللهِ ما كلَّمني بكلمةٍ ولا سمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه حتَّى أناخ راحلتَه فوطِئ على يدِها فركِبْتُه ثمَّ انطلَق يقودُ بي الرَّاحلةَ حتَّى أتَيْنا الجيشَ بعدَما نزَلوا موغِرينَ في نحرِ الظَّهيرةِ فهلَك في شأني مَن هلَك، وكان الَّذي تولَّى كِبْرَه منهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ ابنِ سلولٍ
فقدِمْتُ المدينةَ فاشتكَيْتُ حينَ قدِمْتُها شهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أهلِ الإفكِ ولا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك وهو يُريبُني مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنِّي لا أرى منه اللُّطفَ الَّذي كُنْتُ أراه منه حينَ أشتكي إنَّما يدخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ: ( كيف تِيكُم ؟ ) فيُريبُني ذلك ولا أشعُرُ حتَّى خرَجْتُ بعدَما نقَهْتُ مِن مرَضي ومعي أمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ وهي مُتبرَّزُنا ولا نخرُجُ إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلك أنَّا نكرَهُ أنْ نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التَّبرُّزِ، وكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ قُرْبَ بيوتِنا فانطلَقْتُ ومعي أمُّ مِسطَحٍ وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ المطَّلبِ، فأقبَلْنا حينَ فرَغْنا مِن شأنِنا لنأتيَ البيتَ فعثَرتْ أمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها فقالت: تعِس مِسطَحٌ فقُلْتُ لها: بئس ما قُلْتِ، أتسُبِّينَ رجلًا قد شهِد بدرًا ؟! فقالت: أيْ هَنتاه، أوَلم تسمَعي ما قال ؟ قُلْتُ: وما قال فأخبَرتْني بقولِ أهلِ الإفكِ
فازدَدْتُ مرضًا إلى مرَضي ورجَعْتُ إلى بيتي فدخَل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم ثمَّ قال: ( كيف تِيكُم ؟ ) فقُلْتُ: أتأذَنُ لي أنْ آتيَ أبوَيَّ ؟ وأنا حينَئذٍ أُريدُ أنْ أتيقَّنَ الخبَرَ مِن قِبَلِهما فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئْتُ أبويَّ فقُلْتُ لأمِّي: يا أمَّتاه ما يتَّحدثُ النَّاسُ ؟ قالت: أيْ بنيَّةُ هوِّني عليكِ فواللهِ لَقَلَّ امرأةٌ وضيئةٌ كانت عندَ رجلٍ يُحِبُّها ولها ضرائرُ إلَّا أكثَرْنَ عليها قالت: فقُلْتُ: سبحانَ اللهِ أوَتحدَّث النَّاسُ بذلك ؟ ! قالت: فمكَثْتُ تلك اللَّيلةَ لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ، أُصبِحُ وأبكي
ودعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ وهو حينَئذٍ يُريدُ أنْ يستشيرَهما في فِراقِ أهلِه وذلك حينَ استَلْبَث الوحيُ فأمَّا أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالَّذي يعلَمُ مِن براءةِ أهلِه وما له في نفسِه لهم مِن الوُدِّ فقال: هم أهلُك ولا نعلَمُ إلَّا خيرًا وأمَّا عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه فقال: لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنِّساءُ سواها كثيرٌ وإنْ تسأَلِ الجاريةَ تصدُقْكَ قالت: فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ فقال: ( أيْ بَريرةُ، هل رأَيْتِ مِن عائشةَ شيئًا يُريبُكِ ؟ ) قالت بَريرةُ: يا رسولَ اللهِ والَّذي بعَثك بالحقِّ ما رأَيْتُ عليها أمرًا قطُّ أغمضه عليها أكثرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تنامُ عن عجينِ أهلِها فيدخُلُ الدَّاجنُ فيأكُلُه
فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستعذَر مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سلولٍ فقال وهو على المنبرِ: ( يا معشرَ المسلِمينَ مَن يعذِرُني مِن رجلٍ بلَغ أذاه في أهلِ بيتي ؟ فواللهِ ما علِمْتُ مِن أهلي إلَّا خيرًا ولقد ذكَروا رجلًا ما علِمْتُ منه إلَّا خيرًا وما كان يدخُلُ على أهلي إلَّا معي ) فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: أنا أعذِرُك منه يا رسولَ اللهِ إنْ كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عُنقَه وإنْ كان مِن الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلْنا أمرَك فقام سعدُ بنُ عُبادةَ وهو سيِّدُ الخزرجِ وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلتْه الحميَّةُ فقال: واللهِ ما تقتُلُه ولا تقدِرُ على قتلِه فقام أُسيدُ بنُ حُضيرٍ وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ مُعاذٍ فقال: كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لنقتُلَنَّه فإنَّك منافقٌ تجادِلُ عن المنافقينَ فثار الحيَّانِ: الأوسُ والخزرجُ حتَّى همُّوا أنْ يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخفِّضُهم حتَّى سكَتوا وسكَت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبكَيْتُ يومي لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ وأبواي يظنُّانِ أنَّ البكاءَ فالقٌ كبِدي
فبينما هما جالسانِ عندي إذ استأذَنتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأذِنْتُ لها فجلَستْ معي فبينما نحنُ على حالِنا ذلك إذ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم ثمَّ جلَس ولم يكُنْ جلَس قبْلَ يومي ذلك مذُ كان مِن أمري ما كان ولبِث شهرًا لا يُوحى إليه قالت: فتشهَّد ثمَّ قال: ( أمَّا بعدُ فقد بلَغني يا عائشةُ عنكِ كذا وكذا فإنْ كُنْتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ اللهُ وإنْ كُنْتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفِري اللهَ وتوبي فإنَّ العبدَ إذا اعترَف بالذَّنبِ ثمَّ تاب تاب اللهُ عليه )
فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَه قلَص دمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه بقطرةٍ فقُلْتُ لأبي: أجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت: واللهِ لا أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [ فقُلْتُ ] ـ وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كثيرًا مِن القرآنِ: إنِّي واللهِ لقد عرَفْتُ أنَّكم سمِعْتُم بذاك حتَّى استقرَّ في أنفسِكم وصدَّقْتُم به فإنْ قُلْتُ لكم: إنِّي بريئةٌ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لم تُصدِّقوني وإنِ اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لتُصَدِّقوني وإنِّي واللهِ لا أجِدُ مثَلي ومَثَلَكم إلَّا كما قال أبو يوسفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ثمَّ تحوَّلْتُ فاضطجَعْتُ على فراشي وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بريئةٌ وأنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُبرِّئُني ببراءتي ولكنْ لم أظُنَّ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُنزِلُ في شأني وحيًا يُتلَى ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي مِن أنْ يتكلَّمَ اللهُ جلَّ وعلا فيَّ بأمرٍ يُتلى ولكنْ أرجو أنْ يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في منامِه رؤيا يُبرِّئُني اللهُ بها
قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مجلسَه ولا خرَج مِن البيتِ أحدٌ حتَّى أنزَل اللهُ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخَذه ما كان يأخُذُه مِن البُرحاءِ عندَ الوحيِ مِن ثِقَلِ القولِ الَّذي أُنزِل عليه فلمَّا سُرِّي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أوَّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أنْ قال: ( يا عائشةُ أمَا واللهِ فقد برَّأكِ اللهُ ) فقالت لي أمِّي: قومي إليه فقُلْتُ: واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ الَّذي هو أنزَل براءتي فأنزَل اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] العشْرَ الآياتِ، قالت: فأنزَل اللهُ هذه الآياتِ في براءتي
وكان أبو بكرٍ رضوانُ اللهِ عليه يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقرابتِه منه وفقرِه فقال: واللهِ لا أُنفِقُ عليه أبدًا بعدَ الَّذي قال لعائشةَ ما قال فأنزَل اللهُ {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] إلى قولِه: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يغفِرَ اللهُ لي فرجَع إلى مِسطَحٍ بالنَّفقةِ الَّتي كان يُنفِقُ عليه فقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبدًا قالت: وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأَل زينبَ بنتَ جحشٍ عن أمري: ( ما علِمْتِ وما رأَيْتِ ؟ ) فقالت: أحمي سمعي وبصري ما علِمْتُ إلَّا خيرًا قالت: وهي الَّتي كانت تُساميني مِن أزواجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعصَمها اللهُ بالورَعِ وطفِقتْ أختُها حَمنةُ بنتُ جحشٍ تُحارِبُ لها فهلَكتْ فيمَن هلَك
قال الزُّهريُّ: فهذا ما انتهى إليَّ مِن أمرِ هؤلاء الرَّهطِ
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك ؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه ، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ : فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي ، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه ، قالت : وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي ، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه ، وهم يَحْسِبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ ، فبعثوا الجملَ فساروا ، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي ، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني ، وكان رآني قبلَ الحجابِ ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني ، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي ، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه ، وهوى حتى أناخَ راحلتَه ، فوَطِئَ على يدِها ، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها ، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ . قالت : فهلَكَ مَن هلَكَ ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ . قال عروةُ : أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه . وقال عروةُ أيضا : لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم ، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ ، كما قال الله تعالى ، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ . قال عروةُ : كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ ؛ وتقولُ : أنه الذي قال : فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ . قالت عائشةُ : فقَدِمْنا المدينةَ ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك ، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي ، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ ، ثم يقول : كيف تِيْكُم ؟ ثم يَنْصَرِفُ ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ ، وكان مُتَبَرَّزَنا ، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا ، قالت : وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا ، قالت : فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا ، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت : تَعِسَ مَسْطَحٌ ! فقلت لها : بِئْسَ ما قلتِ ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا ؟ فقالت : أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ ، قالت : فازدَدْتُ مرضًا على مرضي ، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ له : أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ ؟ قالت : وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما ، قالت : فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ لأمي : يا أمتاه ، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ ؟ قالت : يا بُنَيَّةُ ، هوِّني عليك ، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها ، لها ضرائرُ ، إلا أكثرْنَ عليها . قالت : فقُلْتُ : سبحان الله ، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا ! قالت : فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي ، قالت : ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه ، قالت : فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه ، وبالذي يعلم لهم في نفسِه ، فقال أسامة : أَهْلُك ، ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك ، والنساءُ سِواها كثيرٌ ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك . قالت : فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ ، فقال : أَيْ بريرةُ ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ : والذي بعثَك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنَ فتأكلُه ، قالت : فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ، وهو على المنبرِ ، فقال : يا معشرَ المسلمين ، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي ، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال : أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه ، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك . قالت : فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه ، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ ، قالت : وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا ، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ ، فقال لسعدٍ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه ، ولا تَقْدِرُ على قتلِه ، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ . فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ : كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه ، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين . قالت فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ ، قالت : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم ، حتى سكتوا وسكتَ ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ ، قالت : وأصبح أبويَّ عندي ، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ ، قالت : لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ ، قالت : فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ ، ثم قال : أما بعدُ ، ياعائشةُ ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً ، فسُيُبَرِّئُك اللهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه ، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ ، تابَ اللهُ عليه . قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي : أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .، فقلت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا : إني واللهِ لقد علمتُ : لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم : إني بريئةٌ ، لا تصدقوني ، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ ، لتُصَدِّقُنِّي ، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي ، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه ، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه ، قالت : فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أو كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل ، قالت : وأنزل اللهُ تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . العشر الآيات ، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال . فأنزل اللهُ : ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق : بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه ، وقال : واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري ، فقال لزينبَ : ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمي سمعي وبصري ، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ . قالت : وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها ، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ . قال ابنُ شهابٍ : فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ : واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ : سبحانِ اللهِ ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ ، قالت : ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ .
كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أراد أن يخرجَ سفرًا ، أقرعَ بين نسائِه . فأيُّتهنَّ خرج سهمُها ، خرج بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معه . قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها . فخرج سَهمي . فخرجتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . وذلك بعدما أُنزِلَ الحجابُ . فأنا أحمل هَودجي ، وأنزلُ فيه ، مَسيرَنا . حتى إذا فرغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من غزوة ، وقفَل ، ودنونا من المدينةِ ، آذنَ ليلةً بالرحيلِ . فقمتُ حين آذنوا بالرَّحيلِ . فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ . فلما قضيتُ من شأني أقبلتُ إلى الرَّحلِ . فلمستُ صدري فإذا عِقدي من جِزعِ ظفارٍ قد انقطع . فرجعتُ فالتمستُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤه . وأقبل الرَّهطُ الذين كانوا يَرحلون لي فحملوا هودَجي . فرحلوه على بعيري الذي كنتُ أركب . وهم يحسبون أني فيه . قالت : وكانت النساءُ إذ ذاك خفافًا . لم يهبلنَ ولم يغشهنَّ اللحمُ . إنما يأكلنَ العَلقةَ من الطعامِ . فلم يستنكرِ القومُ ثِقَلَ الهودجِ حين رحلوه ورفعوه . وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ . فبعثوا الجملَ وساروا . ووجدتُ عِقدي بعد ما استمر الجيشُ . فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٍ . فتيمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه . وظننتُ أنَّ القومَ سيفقدوني فيرجعون إليَّ . فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتْني عيني فنمتُ . وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلَميُّ ، ثم الذكوانيُّ ، قد عرَّس من وراءِ الجيش فادَّلج . فأصبح عند منزلي . فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ . فأتاني فعرفني حين رآني . وقد كان يراني قبل أن يُضرَبَ الحجابُ عليَّ . فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني . فخمَّرتُ وجهي بجِلبابي . وواللهِ ! ما يُكلِّمُني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرْجاعِه . حتى أناخ راحلتَه . فوطِئَ على يدِها فركبْتُها . فانطلق يقود بي الراحلةَ . حتى أتينا الجيشَ . بعد ما نزلوا مُوغِرين في نحرِ الظهيرةِ . فهلك من هلك في شأني . وكان الذي تولى كِبرَه . عبدُ اللهِ بنُ أُبيِّ بنِ سَلولٍ . فقدِمْنا المدينةَ . فاشتكيتُ ، حين قدمنا المدينةَ ، شهرًا . والناس يُفيضون في قولِ أهلِ الإفكِ . ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك . وهو يُريبني في وجَعي أني لا أعرفُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشتكي . إنما يدخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيُسلِّمُ ثم يقول " كيف تِيكم ؟ " فذاك يَريبُني . ولا أشعر بالشَّرِّ . حتى خرجتُ بعدما نقَهتُ وخرجتْ معي أمُّ مِسطحٍ قبل المَناصعِ . وهو مُتبرَّزُنا . ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليلٍ . وذلك قبل أن نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا . وأمرُنا أمرُ العربِ الأوَّلِ في التَّنزُّه . وكنا نتأذَّى بالكنفِ أن نتخذها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسطحٍ ، وهي بنتُ أبي رَهمٍ بنِ المطلبِ بنِ عبدِ منافٍ . وأمها ابنةُ صخرِ بنِ عامرٍ ، خالةُ أبي بكرٍ الصديقُ . وابنها مِسطحُ بنُ أَثاثةَ بنُ عبادِ بنِ المطلبِ . فأقبلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَل بيتي . حين فرغنا من شأنِنا . فعثَرَتْ أمُّ مِسطحٍ في مِرطِها . فقالت : تعِسَ مِسطحُ . فقلتُ لها : بئسَ ما قلتِ . أَتَسُبِّين رجلًا قد شهد بدرًا . قالت : أي هُنتاه ! أو لم تسمعي ما قال ؟ قلتُ : وماذا قال ؟ قالت ، فأخبرتْني بقولِ أهلِ الإفكِ . فازددتُ مرضًا إلى مرضي . فلما رجعتُ إلى بيتي ، فدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فسلَّم ثم قال " كيف تِيكم ؟ " قلتُ : أتأذنُ لي أن آتيَ أبويَّ ؟ قالت ، وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقَّنَ الخبرَ من قبلِهما . فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فجئتُ أبويَّ فقلتُ لأمي : يا أمَّتاه ! ما يتحدَّث الناسُ ؟ فقالت : يا بُنيَّةُ ! هوِّني عليك . فواللهِ ! لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يحبُّها ، ولها ضرائرُ ، إلا كثَّرْنَ عليها . قالت قلتُ : سبحان اللهِ ! وقد تحدَّث الناسُ بهذا . قالت ، فبكيتُ تلك الليلةِ حتى أصبحتُ لا يرقأْ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ . ثم أصبحتُ أبكي . ودعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ حين استلبثَ الوحيُ . يستشيرُهما في فِراقِ أهلِه . قالت فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالذي يعلمُ من براءةِ أهلِه ، وبالذي يعلمُ في نفسِه لهم من الوُدِّ . فقال : يا رسولَ اللهِ ! هم أهلُك ولا نعلمُ إلا خيرًا . وأما عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال : لم يُضيِّقِ اللهُ عليك . والنساءُ سواها كثيرٌ . وإن تسأل الجاريةَ تَصدُقْك . قالت فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بريرةَ فقال " أي بريرةُ ! هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُكِ من عائشةَ ؟ " قالت له بريرةُ : والذي بعثك بالحقِّ ! إن رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أغمِصُه عليها ، أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ ، تنام عن عجينِ أهلِها ، فتأتي الداجنُ فتأكلُه . قالت فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على المنبر . فاستعذر من عبدِاللهِ بنِ أُبيِّ ، ابنِ سلولٍ . قالت فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو على المنبر " يا معشرَ المسلمين ! من يَعذِرني من رجلٍ قد بلغ أذاه في أهلِ بيتي . فواللهِ ! ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا . ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا . وما كان يدخل على أهلي إلا معي " فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال : أنا أعذِرُك منه . يا رسولَ الله ِ! إن كان في الأوسِ ضربْنا عُنُقَه . وإن كان من إخواننا الخزرجِ أمرتَنا ففعلْنا أمرَك . قالت فقام سعدُ بنُ عبادةَ ، وهو سيِّدُ الخزرجِ ، وكان رجلًا صالحًا . ولكن اجتهلَتْه الحَمِيَّةُ . فقال لسعدِ بنِ معاذٍ : كذبتَ . لعَمرُ اللهِ ! لا تقتلْه ولا تقدرُ على قتلِه . فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ ، وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ ، فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ : كذبتَ . لعَمرُ اللهِ ! لنقتلنَّه . فإنك منافقٌ تجادل عن المنافِقين . فثار الحيَّانِ الأوسُ والخزرجُ . حتى همُّوا أن يقتَتِلوا . ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائمٌ على المِنبر . فلم يزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت . قالت وبكيتُ يومي ذلك . لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ . ثم بكيتُ ليلتي المُقبلةَ . لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ . وأبواي يظنان أنَّ البكاءَ فالقٌ كبِدي . فبينما هما جالسانِ عندي ، وأنا أبكي ، استأذنتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها . فجلستْ تبكي . قالت فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فسلَّم ثم جلس . قالت ولم يجلسْ عندي منذُ قيل لي ما قيل . وقد لبث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ . قالت فتشهَّد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين جلس ثم قال " أما بعد . يا عائشةُ ! فإنه قد بلغَني عنكِ كذا وكذا . فإن كنتُ بريئةً فسيبرِّئُك اللهُ . وإن كنتُ ألمَمْتِ بذنبٍ . فاستغفِري اللهَ وتوبي إليه . فإنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبٍ ثم تاب ، تاب اللهُ عليه " قالت فلما قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَقالتَه ، قلَصَ دَمعي حتى ما أحسُّ منه قطرةً . فقلتُ لأبي : أَجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما قال . فقال : واللهِ ! ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقلتُ لأُمِّي : أَجِيبي عني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقالت : واللهِ ! ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقلتُ ، وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ ، لا أقرأ كثيرًا من القرآنِ : إني ، واللهِ ! لقد عرفتُ أنكم قد سمعتُم بهذا حتى استقرَّ في نفوسِكم وصدقتُم به . فإن قلتُ لكم إني بريئةٌ ، واللهُ يعلم أني بريئةٌ ، لا تُصدِّقوني بذلك . ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ ، واللهُ يعلم أني بريئةً ، لتُصدِّقونني . وإني ، واللهِ ! ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسفَ : فصبرٌ جميلٌ واللهِ المستعانُ على ما تَصفون . قالت ثم تحوَّلتُ فاضطجعتُ على فراشي . قالت وأنا ، واللهِ ! حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ . وأنَّ اللهَ مُبرِّئي ببراءَتي . ولكن ، واللهِ ! ما كنتُ أظنُّ أن ينزلَ في شأني وحيٌ يُتلى . ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى . ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النومِ رُؤيا يُبرِّئُني اللهُ بها . قالت : فواللهِ ! ما رام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَجلسَه ، ولا خرج من أهلِ البيتِ أحدٌ ، حتى أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فأخذه ما كان يأخذُه من البَرحاءِ عند الوحيِ . حتى إنه ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمانِ من العَرَقِ ، في اليوم الشاتِ ، من ثِقَلِ القولِ الذي أُنزِل عليه . قالت ، فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وهو يضحك ، فكان أولَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال " أَبشِري . يا عائشةُ ! أما اللهُ فقد برأًكِ " فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلتُ : واللهِ ! لا أقوم إليه . ولا أحمد إلا اللهَ . هو الذي أنزل براءَتي . قالت فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [ 24 / النور / 11 ] عشرَ آياتٍ . فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ هؤلاء الآياتِ براءَتي . قالت فقال أبو بكرٍ ، وكان يُنفق على مِسطحٍ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ ! لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا . بعد الذي قال لعائشةَ . فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ : وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى [ 24 / النور / 22 ] إلى قوله : أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ . قال حبانُ بنُ موسى : قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ : هذه أرجى آيةٍ في كتاب اللهِ . فقال أبو بكرٍ : واللهِ ! إني لَأُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى مِسطحٍ النفقةَ التي كان يُنفِقُ عليه . وقال : لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سأل زينبَ بنتَ جحشٍ ، زوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أمري " ما علمتُ ؟ أو ما رأيتُ ؟ " فقالت : يا رسولَ اللهِ ! أَحمي سَمعي وبصري . واللهِ ! ما علمتُ إلا خيرًا . قالت عائشةُ : وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فعصمَها اللهُ بالورَعِ . وطفقتْ أختُها حَمنةُ بنتُ جحشٍ تحاربُ لها . فهلكتْ فيمن هلك . قال الزهريُّ : فهذا ما انتهى إلينا من أمرِ هؤلاءِ الرَّهطِ . وقال في حديث يونس : احتملَتْه الحَمِيَّةُ .
عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ قال لَها أَهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأَها اللَّهُ منهُ فَكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها وبعضُهم كانَ أوعى لحديثِها من بعضٍ وأثبتَ لَها اقتِصاصًا وقد وعيتُ من كلِّ رجلٍ منهمُ الحديثَ الَّذي حدَّثني عن عائشةَ وبعضُهم يصدِّقُ بعضًا وإن كانَ بعضُهم أوعى من بعضٍ زعموا أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالت كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أرادَ سفرًا أقرعَ بينَ أزواجِه فأيَّتُهنَّ خرجَ سَهمُها خرجَ بِها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ معَه قالت عائشةُ فأقرعَ بيننَا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوةٍ غزاها فخرجَ سَهمي فخرجَ بي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوتِه تلكَ أذنَ اللَّهُ بالرَّحيلِ فخرجتُ حينَ أذَّنوا بالرَّحيلِ فمشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فلمستُ صدري فإذا عقدٌ لي جزعِ ظفارَ قدِ انقطعَ فخرجتُ فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه وأقبلَ الرَّهطُ الَّذينَ كانوا يرحلونَ بي فحملوا هَودَجي فرحلوهُ على بعيري الَّذي كنتُ أركبُ وَهم يحسَبونَ أنِّي فيهِ وَكانَ النِّساءُ إذ ذاكَ خفافًا لم يثقُلنَ ولم يحمِلنَ اللَّحمَ إنَّما يأكلنَ العلقةَ منَ الطَّعامِ فلم يستَنكرِ القومُ خفَّةَ الهَودجِ حينَ حملوهُ وَكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ فبعثوا الجملَ فساروا فوجدتُ عِقدي بعدَ ما استمرَّ الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليسَ بِها داعٍ ولا مجيبٌ فتيمَّمتُ منزلي الَّذي كنتُ بهِ وظننتُ أنَّهم سيفقدوني فيرجِعوا إليَّ فبينا أنا جالسةٌ إذ غلبتني عينايَ فنمتُ وَكانَ صفوانُ بنُ المعطَّلِ الصَّفوانيُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ فأصبحَ عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ فعرفني حينَ رآني قبلَ الحجابِ فاستيقظتُ باسترجاعِه حينَ عرفني فخمَّرتُ وجهي بجلبابي واللَّهِ ما كلَّمتُه كلمةً ولا سمعتُ منهُ كلمةً غيرَ استرجاعِه حينَ عرفني حتَّى أناخَ راحلتَه ووطئَ على يدِها فرَكبتُها وانطلقَ يقودُ بيَ الرَّاحلةَ حتَّى أتينا الجيشَ بعدَ ما نزلوا معرِّسينَ في نحرِ الظَّهيرةِ وَهلَك فيَّ من هلَك وَكانَ الَّذي تولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ بنِ سلولٍ فقدِمنا المدينةَ فشَكيتُ شَهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أصحابِ الإفكِ وأنا لا أشعرُ بالشَّيءِ حتَّى نقِهتُ فخرجتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المناصعِ وَكانَ متبرَّزَنا لا نخرجُ إليها إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلِك قبلَ أن نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا وإنَّما أمرُنا أمرُ العربِ الأوَّلِ في البرِّيَّةِ قبلَ الغائطِ وَكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتَّخذَها عندَ بيوتِنا فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ قبلَ بيتي حينَ فرغنا من شأنِنا وأمُّ مسطحٍ وَهيَ ابنةُ أبي إبراهيمَ بنِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وابنُها مِسطَحُ بنُ أثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ المطَّلبِ فعثَرتْ أمُّ مسطحٍ في مِرطِها فقالت تعِسَ مسطَحٌ فقلتُ لَها بئسَ ما قلتِ وماذا قال فأخبرتْني بقولِ أَهلِ الإفكِ فازددتُ مرضًا على مرضي فلمَّا دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال كيفَ تِيكم فقلتُ لهُ أتأذنُ لي أن آتيَ أبويَّ وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما فأذنَ لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأتيتُ أبويَّ فقلتُ لأمِّي يا أمَّتاهُ ما يتحدَّثُ بهِ النَّاسُ فقالت يا بنيَّةُ هوِّني عليكِ هذا الشَّأنَ فواللَّهِ لقلَّما كانتِ امرأةٌ وضيئةً عندَ رجلٍ يحبُّها ولَها ضرائرُ إلَّا أَكثرنَ عليها فقلتُ سبحانَ اللَّهِ ولقد تحدَّثَ النَّاسُ بِها قالت فبَكيتُ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبحتُ ثمَّ أصبحتُ ودعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلبثَ الوحيُ يستشيرُهما في فراقِ أَهلِه فأمَّا أسامةُ فإنَّهُ أشارَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالَّذي يعلَمُ من براءةِ أَهلِه وبالَّذي يعلَمُ منَ الوُدِّ لَهم قال يا رسولَ اللَّهِ أَهلُكَ ولا نعلمُ إلَّا خيرًا وأمَّا عليٌّ فقال يا رسولَ اللَّهِ لم يضيِّقِ اللَّهُ عليكَ والنِّساءُ بكثيرٍ سواها سلِ الجاريةَ تصدُقْكَ فدعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بَريرةَ فقال يا بَريرةُ هل رأيتِ على عائشةَ شيئًا تُنكرينَه عليها قالت لا والَّذي بعثَك بالحقِّ ما رأيتُ على عائشةَ شيئًا أغمِصُه عليها غيرَ أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تَنامُ عن عجينِ أَهلِها فتأتي الدَّاجِنُ فتأكلُه قالت عائشةُ فقامَ على المنبرِ حينَ استلبثَ الوحيُ يستعذِرُ من عبدِ اللَّهِ بنِ أبيِّ بنِ سلولٍ فقال يا معشرَ المسلمينَ مَن يعذِرُني مِن رجلٍ بلغَ أذاهُ في أَهلي فواللَّهِ ما علمتُ على أَهلي إلَّا خيرًا وما كانَ يدخلُ على أَهلي إلَّا وهوَ معي فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال يا رسولَ اللَّهِ أنا واللَّهِ أعذِرُك منهُ إن كانَ منَ الأوسِ ضربتُ عنقَه وإن كانَ من إخوانِنا الخزرجِ أمرتَنا ففعلنا أمرَك فقامَ سعدُ بنُ عبادةَ الخزرجيُّ وهوَ سيِّدُ الخزرجِ وَكانَ قبلَ ذلِك رجلًا صالِحًا ولَكنِ احتملتهُ الحميَّةُ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذبتَ لعمرُ اللَّهِ لا تقتلُه ولا تقدِرُ على قتلِه فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ فقال لِسعدِ بنِ عبادةَ كذبتَ لَعَمرُ اللَّهِ لنقتلنَّهُ فإنَّكَ منافقٌ تجادلُ عنِ المنافقينَ فثارَ الحيَّانِ الأوسُ والخزرجُ حتَّى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على المنبرِ فلم يزل رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخفِّضُهم حتَّى سَكتوا قالت عائشةُ وبَكيتُ يومي ذلِك لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أَكتحلُ بنومٍ ولا أظنُّ البُكاءَ إلَّا فالقَ كبِدي قالت فبينا أنا أبكي وأبوايَ عندي إذِ استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ منَ الأنصارِ فأذنَتْ لَها أمِّي فجلست تبكي معنا فبينا نحنُ على ذلِك إذ دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فسلَّمَ ثمَّ جلسَ ولم يجلِسْ عندي منذُ قيلَ لي ما قيلَ قبلَها وقد لبثَ شَهرًا لا يوحَى إليهِ في شأني بشيءٍ قالت فتشَهَّدَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ جلسَ ثمَّ قال يا عائشةُ أما بعدُ فقدْ بلغني عنكِ كذا وَكذا فإن كنتِ بريئةً فسيبرِّئُكِ اللَّهُ وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفِري اللَّهَ وتوبي إليهِ فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عليهِ قالت فلمَّا قضى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مقالتَه وقلُصَ دمعي حتَّى ما أحسُّ منهُ قطرةً فقلتُ لأبي أجِب عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيما قال قالَ واللَّهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيما قال فقالت واللَّهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ وإنِّي لجاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأُ شيئًا منَ القرآنِ واللَّهِ لقد علِمتُ أنَّكم سمعتُم بِهذا الحديثِ واستقرَّ في أنفسِكم ولئنْ قلتُ لكم إنِّي بريئةٌ واللَّهُ لَيعلمُ أنِّي بريئةٌ وأعلمُ أنَّهُ مبرِّئي ببراءةٍ إنِّي بريئةٌ لا تصدِّقونَ ولئن أعترفْ لكم بأمرٍ واللَّهُ يعلمُ أنِّي منهُ بريئةٌ لتصدِّقُنِّي فواللَّهِ ما أجدُ لي ولَكم مَثلًا إلَّا أنَّ أبا يوسفَ قال {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} زادَ ابنُ دَيزيلَ في حديثِه ونسيتُ اسمَ يعقوبَ لما بي منَ الحزنِ وإحراقِ القلبِ ثمَّ رجعَ إلى حديثِهما قالت ثمَّ تحوَّلتُ إلى فراشي فنمتُ وأنا أعلمُ أنِّي بريئةٌ واللَّهُ مبرِّئي ببراءتي ولَكنْ واللَّهِ ما علمتُ أنَّ اللَّهَ ينزِّلُ في شأني قرآنًا يُتلَى ولَشأني أحقرُ في نفسي من أن ينزِّلَ اللَّهُ فيَّ وحيًا يُتلى قالت فواللَّهِ ما رامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مجلسَه ذاكَ ولا خرجَ أحدٌ من أَهلِ البيتِ حتَّى أخذَه ما كانَ يأخُذُه منَ البُرَحاءِ حتَّى إنَّهُ لينحدِرُ مثلَ الجُمانِ منَ العرقِ في اليومِ الشَّاتي قالت فلمَّا سُرِّيَ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ يبتسمُ كانَ أوَّلَ كلمةٍ تَكلَّمَ بِها أن قال يا عائشةُ أمَّا اللَّهُ فقد برَّأَك فقال لي أبي قُومي إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ لا أقومُ ولا أحمدُ إلَّا اللَّهَ تعالى قالت أُنزِلَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} العشرُ الآياتُ كلُّها قالت فلمَّا أنزلَ اللَّهُ في براءتي هذا قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وَكانَ ينفِقُ على مِسطحِ بنِ أثاثةَ لقرابتِه منهُ واللَّهِ لا أنفقُ على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الَّذي قال لعائشةَ ما قال قالت فأنزلَ اللَّهُ { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } فقال أبو بَكرٍ بلى واللَّهِ إنِّي لأحبُّ أن يُغفَرَ لي فرجَّعَ إلى مسطحٍ نفقتَه الَّتي كانَ ينفقُ عليهِ فقال واللَّهِ لا أنزِعُها منهُ أبدًا قالت عائشةُ وَكانت زينبُ بنتُ جحشٍ هيَ الَّتي تساميني من بينِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فعصمَها اللَّهُ بالورَعِ فطفِقت أختُها حمنةُ تحارِبُ لَها فَهلَكت فيمن هلَكَ قال ابنُ شِهابٍ فبلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا سألَ بريرةَ عن شأنِ عائشةَ قالت يا رسولَ اللَّهِ تسألُني عن عائشةَ فواللَّهِ لَعائشةُ أطيبُ من طيِّبِ الذَّهبِ ولئن كانَ ما يقولُ النَّاسُ حقًّا ليخبرنَّكَ اللَّهُ
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ .
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ : كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً ، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي . فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي ؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين . فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ , فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع ، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ . فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.
. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرجَ أقرعَ بين أزواجِه ، فأيتُهُن خرج سهمُها خرج بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشةُ : فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجابُ, فأنا أُحمَلُ في هودجي وأُنزَلُ فيه, فسرنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقفل ودنونا من المدينةِ قافلين آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيلِ فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي، فإذا عِقْدٌ لي من جزعِ أظفارٍ قد انقطع، فالتمستُ عِقدي وحبسني ابتغاؤُه. وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ وهم يحسبون أني فيه وكان النساءُ إذ ذاك خفافًا لم يُثْقِلْهن اللحمُ إنما يأكلن العُلْقَةَ من الطعامِ فلم يستنكرِ القومُ خفةَ الهودجِ حين رفعوه ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيشُ فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ به وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلٍ غلبتني عيني فنمتُ وكان صفوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلميُّ ثم الذكوانيُّ من وراءِ الجيشِ فأدلجَ، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبلَ الحجابِ ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عرفني، فخمرتُ وجهي بجلبابي، واللهِ ما كلمني كلمةً ولا سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِه ، حتى أناخ راحلتَه فوطِئَ على يديها فركبتُها ، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولَّى الإفكَ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ بنَ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدمتُ شهرًا، والناسُ يفيضون في قولِ أصحابِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَريبُني في وجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيسلِّمُ ثم يقولُ : كيف تيكم، ثم ينصرفُ ، فذاك الذي يَريبُني ولا أشعرُ بالشرِ، حتى خرجتُ بعدما نقهتُ، فخرجت معيَ أمَّ مسْطِحٍ قبلَ المناصعِ، وهو متبرَّزُنا وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأولِ في التبَرُّزِ قبلَ الغائط ِ، فكنا نتأذى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا . فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ – وهي ابنةُ أبي رهمِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخِر بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ ، وابنُها مِسْطَحِ بن أُثاثةَ – فأقبلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي وقد فرغنا من شأنِنا ، فعثرتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٍ. فقلتُ لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟ قالت أي هَنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلتُ : وما قال ؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ ، فازددتُ مرضًا على مرضيِ . فلما رجَعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعني سلَّم ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبويَّ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقن الخبرَ من قِبَلِهما قالت: فأذن لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمي: يا أمتاه ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بنيَّةُ هوني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثرن عليها. قالت فقلتُ: سبحانَ اللهِ، أو لقد تحدثَ الناسُ بهذا ؟ قالت: فبكيْتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى أصبحتُ أبكي. فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علي بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحيُ يستأمِرًُهما في فُراقِ أهلِه . قالت: فأما أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِه، وبالذي يعلمُ لهم في نفسِه من الودِ فقال: يا رسولَ اللهِ، أهلك ، وما نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألَ الجاريةَ تصدُقُك. قالت فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ ، فقال أيْ بريرةُ هل رأيتِ من شيءٍ يَريبُك؟ قالت بَريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِِّ، إن رأيتَ عليها أمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةً حديثةَ السنِ تنامُ عن عجينِ أهلِها فتأتي الداجنَ فتأكلُه فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ بنِ سلولَ ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ :يا معشرَ المسلمين، من يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلِ بيتي؟ فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ وأنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضربتُ عنقَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمرَك . قالت : فقام سعدُ بنُ عُبادةَ – وهو سيدُ الخزرجِ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحميةَ – فقال لسعدٍ: كذبتَ لعمرُ اللهِ، لا تقتلُه ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسيدُ بنُ حضيرٍ – وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ – فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذبت لعمرُ اللهِ لنقتُلنَّه، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرجُ حتى همُّوا أن يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثتُ يومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ. قالت فأصبح أبوايَ عندي وقد بكيْتُ ليلتين ويومًا لا أكتحلُ بنومٍ لا َيرْقأُ لي دمعٌ يظنان أن البكاءَ فالقٌ كِبِدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلَها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعدُ، يا عائشةُ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّؤك اللهُ ، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللهِ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترف بذنبِه ثم تاب إلى اللهِ تاب اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسولُ اللهِ مقالتَه قلصَ دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي أجب رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال . قال : واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: أجيبي رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالت فقلتُ – وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ -: إني واللهِ لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقر في أنفسِكم وصدقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئةٌ – واللهُ يعلمُ أني بريئةٌ – لا تُصدِّقونني بذلك ، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ – واللهُ يعلمُ أني منه بريئةٌ – لتُصدِّقَنِّي. واللهِ ما أجدُ لكم مثلاً إلا قولَ أبي يوسفَ، قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولتُ فاضجعتُ على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ وأن اللهَ مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ منْزِلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلمَ اللهُ في بأمرٍ يتلى ولكن كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبرِّؤني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه ، فأخذه ما كان يأخذُه من البُرحاءِ، حتى إنه ليتحدَّرَ منه مثل الجُمان من العَرَقِ وهو في يومٍ شاتٍ من ثِقَلِ القولِ الذي يُنزَلُ عليه. قالت : فلما سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحكُ، فكانت أولُ كلمةٍ تكلمَ بها: يا عائشةُ، أما اللهُ عز وجل فقد برَّأك . فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل . وأنزل اللهُ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه العشْرَ الآياتِ كلَّها. فلما أنزلَ اللهُ في براءتي قال أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وكان يُنفقُ على مِسْطَحٍ بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه وفقرِه : واللهِ لا أُنفقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال فأنزلَ اللهُ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكرٍ : بلى واللهِ ، إني أُحبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فرجع إلى النفقةِ التي كان يُنفقُ عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ ابنةَ جحشٍ عن أمري فقال : يا زينبُ ، ماذا علمتِ أو رأيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، أحمشي سمعي وبصري ، ما علمتُ إلا خيرًا . قالت – وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعصمضها اللهُ بالورعِ ، وطفقَت أختُها حَمْنَةث تحاربُ لها ، فهلكت فيمن هلكَ من أصحابِ الإفكِ.