20 - بَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَقَالَ عُمَرُ : وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ 6470 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ : مَا يَكُونْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ) يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَالْكَفُّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمِ الْعَبْدِ بِقُبْحِهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا صِيَانَةً لِعَبْدِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الْعَاقِلَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ يَرِدْ عَلَى فِعْلِهَا وَعِيدٌ ، وَمِنْهَا الْحَيَاءُ مِنْهُ وَالْخَوْفُ مِنْهُ أَنْ يُوقِعَ وَعِيدَهُ فَيَتْرُكُهَا لِسُوءِ عَاقِبَتِهَا ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مِنْهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ فَيَبْعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى الْكَفِّ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، وَمِنْهَا مُرَاعَاةُ النِّعَمِ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ غَالِبًا تَكُونُ سَبَبًا لِزَوَالِ النِّعْمَةِ ، وَمِنْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ يُصَيِّرُ نَفْسَهُ عَلَى مُرَادِ مَنْ يُحِبُّ ، وَأَحْسَنُ مَا وُصِفَ بِهِ الصَّبْرُ أَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمَكْرُوهِ ، وَعَقْدُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى وَالْمُكَابَدَةُ فِي تَحَمُّلِهِ وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّابِرِينَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ حَدِيثُ : الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا . قَالَ الرَّاغِبُ : الصَّبْرُ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ ، صَبَرْتُ الشَّيْءَ حَبَسْتُهُ ، فَالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ ، وَتَخْتَلِفُ مَعَانِيهِ بِتَعَلُّقَاتِهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ مُصِيبَةٍ سُمِّيَ صَبْرًا فَقَطْ ، وَإِنْ كَانَ فِي لِقَاءِ عَدُوٍّ سُمِّيَ شَجَاعَةً ، وَإِنْ كَانَ عَنْ كَلَامٍ سُمِّيَ كِتْمَانًا ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُ سُمِّيَ عِفَّةً قُلْتُ : وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا . قَوْلُهُ : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ : وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - ، وَفِي نُسْخَةٍ عَزَّ وَجَلَّ وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهَا صَدَرَتْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَمَنِ اتَّقَى رَبَّهُ كَفَّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفَعَلَ الْوَاجِبَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : بِغَيْرِ حِسَابٍ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّكْثِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ : وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّبْرِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا الصَّبْرَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ كَذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ ، وَالصَّبْرُ إِنْ عُدِّيَ بِعَنْ كَانَ فِي الْمَعَاصِي ، وَإِنْ عُدِّيَ بِعَلَى كَانَ فِي الطَّاعَاتِ ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَفِي أَثَرِ عُمَرَ شَامِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ ، وَالتَّرْجَمَةُ لِبَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : قَوْلُهُ : ( أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا سَعِيدٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : إِنَّ رَجُلًا كَانَ ذَا حَاجَةٍ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ : ائْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْأَلْهُ فَأَتَاهُ ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ هُنَا ، وَمِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْأَلُهُ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ الْحَدِيثَ ، فَعُرِفَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَهْلُهُ وَمِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ نَزَلْتُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَحَدَّثَ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُمُّهُ : ائْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْأَلْهُ ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ الْحَدِيثَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ مَا وَقَعَ لِأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ حِينَ افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ نَاسًا ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ أُنَاسًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ : سَأَلُوا فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَجَعَلَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى نَفِدَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ اسْتِئْنَافِيَّةً . وَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : شَيْءٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ : أَنْفَقَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ : فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ ) ؛ أَيْ مَالٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الشَّرْطِ ، وَفِي رِوَايَةٍ صَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ مَا يَكُنْ ، وَمَا حِينَئِذٍ شَرْطِيَّةٌ وَلَيْسَتِ الْأُولَى خَطَأً . قَوْلُهُ : ( لَا أَدَّخِرُهُ عَنْكُمْ ) بِالْإِدْغَامِ وَبِغَيْرِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَمْ ، وَعَنْهُ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ؛ أَيْ أَجْعَلَهُ ذَخِيرَةً لِغَيْرِكُمْ مُعْرِضًا عَنْكُمْ ، وَدَالُهُ مُهْمَلَةٌ ، وَقِيلَ : مُعْجَمَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَسْتَعْفِفْ بِفَاءَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : يُعِفَّهُ اللَّهُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ) قُدِّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الِاسْتِغْنَاءُ عَلَى التَّصَبُّرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ بَدَلَ التَّصَبُّرِ : وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ ، وَزَادَ وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هِلَالٍ : وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُلَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ أَوْ يَسْتَغْنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ يَسْأَلُنَا . قَوْلُهُ : ( وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً وَأُعْطِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ . قَوْلُهُ : ( خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ) كَذَا بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هُوَ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ ، وَلِمُسْلِمٍ : عَطَاءُ خَيْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ : كَذَا فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَالتَّقْدِيرُ هُوَ خَيْرٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ سُؤَالِهِمْ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَانْتِظَارُ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ ، وَأَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ مَا يُعْطَاهُ الْمَرْءُ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا مَحْدُودٍ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ يَسْتَعِفَّ أَيْ يَمْتَنِعُ عَنِ السُّؤَالِ ، وَقَوْلُهُ : يُعِفَّهُ اللَّهُ ؛ أَيْ إِنَّهُ يُجَازِيهِ عَلَى اسْتِعْفَافِهِ بِصِيَانَةِ وَجْهِهِ وَدَفْعِ فَاقَتِهِ ، وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يَسْتَغْنِ ؛ أَيْ بِاللَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ ، وَقَوْلُهُ : يُغْنِهِ ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ ، وَيَخْلُقْ فِي قَلْبِهِ الْغِنَى ؛ فَإِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يَتَصَبَّرْ ، أَيْ يُعَالِجْ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَالِ وَيَصْبِرْ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الرِّزْقُ وَقَوْلُهُ : يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى تَنْقَادَ لَهُ وَيُذْعِنَ لِتَحَمُّلِ الشِّدَّةِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ فَيُظْفِرَهُ بِمَطْلُوبِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَمَّا كَانَ التَّعَفُّفُ يَقْتَضِي سَتْرَ الْحَالِ عَنِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْغِنَى عَنْهُمْ فَيَكُونُ صَاحِبُهُ مُعَامِلًا لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَقَعُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّبْرُ خَيْرَ الْعَطَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ فِعْلِ مَا تُحِبُّهُ ، وَإِلْزَامُهَا بِفِعْلِ مَا تَكْرَهُ فِي الْعَاجِلِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَتَأَذَّى بِهِ فِي الْآجِلِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ؛ أَيْ إِنْ عَفَّ عَنِ السُّؤَالِ وَلَوْ لَمْ يُظْهِرْ الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ النَّاسِ ، لَكِنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا لَمْ يَتْرُكْهُ يَمْلَأِ اللَّهُ قَلْبَهُ غِنًى بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى سُؤَالٍ ، وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الِاسْتِغْنَاءَ فَتَصَبَّرَ وَلَوْ أُعْطِيَ لَمْ يَقْبَلْ فَذَاكَ أَرْفَعُ دَرَجَةً ، فَالصَّبْرُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : يُعِفَّهُ اللَّهُ إِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ ، وَإِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ الْقَنَاعَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ · ص 309 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصبر عن محارم الله · ص 67 باب الصبر عن محارم الله . أي : هذا باب في بيان الاجتهاد في الصبر عن محارم الله ، أي : محرماته ، قاله الكرماني . قلت : المحارم جمع محرمة ، بفتح الميمين وجاء بضم الراء أيضا ، قال الجوهري : الحرمة ما لا يحل انتهاكه ، وكذلك المحرمة بفتح الراء وضمها ، والصبر : حبس النفس ، وتارة يستعمل بكلمة عن كما في المعاصي ، يقال : صبر عن الزنا ، وتارة بكلمة على كما في الطاعات يقال : صبر على الصلاة ، ونحو ذلك . وقوله عز وجل : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وقوله بالجر ، عطف على قوله الصبر عن محارم الله هذا في رواية أبي ذر هكذا ، بلفظ قوله وليس في رواية غيره لفظ قوله ، وفي بعض النسخ وقوله عز وجل وهذا أحسن ، ولفظ الصَّابِرُونَ يحتمل أن يستعمل بعن وبعلى ، لما ذكرنا آنفا أن استعماله بالوجهين ، وأراد بقوله : بِغَيْرِ حِسَابٍ المبالغة بالنسبة إلينا . وقال عمر : وجدنا خير عيشنا بالصبر . أي : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قوله : بالصبر كذا ، هو بالباء الموحدة ، وفي رواية الكشميهني بحذف الباء ، فيكون منصوبا بنزع الخافض ، وقال بعضهم : والأصل في الصبر ، والباء بمعنى في . قلت : لا يحتاج إلى هذا ، والباء على حالها للإلصاق ، أي : وجدنا ملتصقا بالصبر ، ويجوز أن تكون للاستعانة ، وهذا الأثر رواه أحمد في كتاب الزهد بسند صحيح عن مجاهد ، قال عمر رضي الله تعالى عنه : وجدنا خير عيشنا الصبر . 57 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني عطاء بن يزيد ، أن أبا سعيد أخبره ، أن أناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسأله أحد منهم إلا أعطاه ، حتى نفد ما عنده ، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه : ما يكن عندي من خير لا أدخره عنكم ، وإنه من يستعف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله ، ولن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر . مطابقته للترجمة في آخر الحديث . وأبو اليمان : الحكم بن نافع ، وروايته عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري في البخاري كثيرة ، وأبو سعيد : سعد بن مالك الخدري . والحديث مضى في الزكاة عن قتيبة ، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا عن قتيبة ، ومضى الكلام فيه . قوله : أن أناسا ويروى أن ناسا والمعنى واحد ، قوله : حتى نفد بفتح النون وكسر الفاء ، أي : فرغ . قوله : أنفق بيديه جملة حالية أو اعتراضية أو استئنافية ، ويروى بيده بالإفراد . قوله : ما يكن ، كلمة ما إما موصولة وإما شرطية ، ويروى ما يكون وصوب الدمياطي الأول . قوله : لا أدخره بالإدغام وبغيره ، وفي رواية مالك فلم أدخره وعنه فلن أدخره وداله مهملة وقيل معجمة . قوله : وإنه من يستعف كذا في رواية الأكثرين بتشديد الفاء ، وفي رواية الكشميهني من يستعفف من الاستعفاف ، وهو طلب العفة ، وهي الكف عن الحرام والسؤال من الناس . قوله : يعفه الله بضم الياء وبتشديد الفاء المفتوحة ، أي : يرزقه العفاف . قوله : ومن يتصبر أي : ومن يتكلف الصبر يصبره الله ، بضم الياء وتشديد الباء المكسورة ، أي : يرزقه الله الصبر . قوله : ومن يستغن أي : ومن يظهر الغناء ولم يسأل ، يغنه ، بضم الياء من الإغناء ، أي : يرزقه الغنى عن الناس ، ووقع في رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد بدل التصبر ومن استكفى كفاه الله وزاد ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف . قوله : ولن تعطوا على صيغة المجهول بالخطاب للجمع . قوله : عطاء خيرا بالنصب ، كذا في هذه الرواية ووقع في رواية مالك هو خير بالرفع وفي رواية مسلم عطاء خير والتقدير : هو خير ، وقال النووي : كذا في نسخ مسلم ، يعني بالرفع ، والتقدير : هو خير ، كما قلنا .