45- بَاب الْحَشْرُ 6522- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ : رَاغِبِينَ ، رَاهِبِينَ ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا ، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا ، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا ، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْحَشْرِ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحَشْرُ الْجَمْعُ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ ، حَشْرَانِ فِي الدُّنْيَا ، وَحَشْرَانِ فِي الْآخِرَةِ ، فَالَّذِي فِي الدُّنْيَا أَحَدُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ وَالثَّانِي الْحَشْرُ الْمَذْكُورُ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رَفَعَهُ : إِنَّ السَّاعَةَ لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ ، فَذَكَرَهُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى مَرْفُوعًا : تَخْرُجُ نَارٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَتَسُوقُ النَّاسَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ : ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ ، تُرَحِّلُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ ، قُلْتُ : وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَمَّا أَسْلَمَ ، أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمُغْرِبِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ فِي بَابِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْحَاكِمِ رَفَعَهُ تُبْعَثُ نَارٌ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمُغْرِبِ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا ، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَيَكُونُ لَهَا مَا سَقَطَ مِنْهُمْ وَتَخَلَّفَ تَسُوقُهُمْ سَوْقَ الْجَمَلِ الْكَسِيرِ ، وَقَدْ أَشْكَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ، وَظَهَرَ لِي فِي وَجْهِ الْجَمْعِ أَنَّ كَوْنَهَا تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ لَا يُنَافِي حَشْرَهَا النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمُغْرِبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهَا مِنْ قَعْرِ عَدَنَ فَإِذَا خَرَجَتِ انْتَشَرَتْ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ إِرَادَةُ تَعْمِيمِ الْحَشْرِ لَا خُصُوصِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَوْ أَنَّهَا بَعْدَ الِانْتِشَارِ أَوَّلَ مَا تَحْشُرُ أَهْلَ الْمَشْرِقِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِتَنِ دَائِمًا مِنَ الْمَشْرِقِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَأَمَّا جَعْلُ الْغَايَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَلِأَنَّ الشَّامَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ مَغْرِبٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ النَّارُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كِنَايَةٌ عَنِ الْفِتَنِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي أَثَارَتِ الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَالْتَهَبَتْ كَمَا تَلْتَهِبُ النَّارُ ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ حَتَّى خَرِبَ مُعْظَمُهُ ، وَانْحَشَرَ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ ، وَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ كَمَا شُوهِدَ ذَلِكَ مِرَارًا مِنَ الْمَغلِ مِنْ عَهْدِ جَنْكِزْخَانْ ، وَمَنْ بَعْدَهُ ، وَالنَّارُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَلَى حَقِيقَتِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَشْرُ الثَّالِثُ : حَشْرُ الْأَمْوَاتِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَغَيْرُهَا بَعْدَ الْبَعْثِ جَمِيعًا إِلَى الْمَوْقِفِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَالرَّابِعُ : حَشْرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ انْتَهَى مُلَخَّصًا بِزِيَادَاتٍ . قُلْتُ : الْأَوَّلُ لَيْسَ حَشْرًا مُسْتَقِلًّا ، فَإِنَّ الْمُرَادَ حَشْرُ كُلِّ مَوْجُودٍ يَوْمئِذٍ ، وَالْأَوَّلُ إِنَّمَا وَقَعَ لِفِرْقَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ مِرَارًا تَخْرُجُ طَائِفَةٌ مِنْ بَلَدِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا إِلَى جِهَةِ الشَّامِ كَمَا وَقَعَ لِبَنِي أُمَيَّةَ أَوَّلَ مَا تَوَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْخِلَافَةَ فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ ، وَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ أَحَدٌ حَشْرًا ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( وُهَيْب ) بِالتَّصْغِيرِ ، هُوَ ابْنُ خَالِدٍ ، وَابْنُ طَاوُسٍ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : ثَلَاثَةٌ ، وَالطَّرَائِقُ جَمْعُ طَرِيقٍ ، وَهِيَ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ . قَوْلُهُ : ( رَاغِبِينَ وَرَاهِبِينَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ رَاهِبِينَ بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ ، ثَلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ ، أَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ، عَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ) كَذَا فِيهِ بِالْوَاوِ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْوَاوِ فِي الْجَمِيعِ ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ . قَوْلُهُ : ( وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ ) هَذِهِ هِيَ النَّارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ الْآيَاتِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَفِيهِ : وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ ، تُرَحِّلُ النَّاسَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى حَشْرِهِمْ . قَوْلُهُ : ( تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا إِلَخْ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مُلَازَمَةِ النَّارِ لَهُمْ إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى مَكَانِ الْحَشْرِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَشْرُ يَكُونُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، تَحْشُرُ النَّاسَ أَحْيَاءً إِلَى الشَّامِ . وَأَمَّا الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى الْمَوْقِفِ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الْإِبِلِ وَالتَّعَاقُبِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً قَالَ : وَقَوْلُهُ : وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضٌ وَيَمْشِي بَعْضٌ . قُلْتُ : وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ إِلَى الْعَشَرَةِ إِيجَازًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْدَادِ ، مَعَ أَنَّ الِاعْتِقَابَ لَيْسَ مَجْزُومًا بِهِ ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِي الْبَعِيرِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى حَمْلِ الْعَشَرَةِ ، وَمَالَ الْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ يَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْقُبُورِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ بَعْدَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً . قَالَ : وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَشْرَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ ، وَهُوَ إِخْرَاجُ الْخَلْقِ مِنَ الْقُبُورِ حُفَاةً عُرَاةً فَيُسَاقُونَ وَيُجْمَعُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ لِلْحِسَابِ ، فَحِينَئِذٍ يُحْشَرُ الْمُتَّقُونَ رُكْبَانًا عَلَى الْإِبِلِ ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ بِالْوَصْفِ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ حَالُهُمْ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَوْقِفِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ ، فَوْجٍ طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ ، وَفَوْجٍ يَمْشُونَ ، وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ الْحَدِيثَ . وَصَوَّبَ عِيَاضٌ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَبِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ تَقِيلُ مَعَهُمْ وَتَبِيتُ وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ : حَمْلُهُ عَلَى الْحَشْرِ مِنَ الْقُبُورِ أَقْوَى مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْحَشْرَ إِذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ ، مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ . ثَانِيهَا : أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا أَوْ جَامِعًا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا رَاهِبًا فَقَطْ ، وَتَكُونُ هَذِهِ طَرِيقَةً وَاحِدَةً لَا ثَانِيَ لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَلَا . ثَالِثُهَا : حَشْرُ الْبَقِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ وَإِلْجَاءُ النَّارِ لَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ ، وَمُلَازَمَتُهَا حَتَّى لَا تُفَارِقَهُمْ ، قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ بِتَسْلِيطِ النَّارِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِ الشَّنْوَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ . رَابِعُهَا : أَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحِسَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ ثَلَاثًا عَلَى الدَّوَابِّ ، وَثَلَاثًا يَنْسِلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَثَلَاثًا عَلَى وُجُوهِهِمْ ، قَالَ : وَنَرَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظِيرُ التَّقْسِيمِ الَّذِي وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْوَاقِعَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً الْآيَاتِ ، فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ يُرِيدُ بِهِ عَوَامَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ مَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، فَيَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ يَخَافُونَ عَاقِبَةَ سَيِّئَاتِهِمْ ، وَيَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ بِإِيمَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَقَوْلُهُ : وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ السَّابِقِينَ ، وَهُمْ أَفَاضِلُ الْمُؤْمِنِينَ يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا . وَقَوْلُهُ وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ يريد بِهِ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ، وَرُكُوبُ السَّابِقِينَ فِي الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ الْحَمْلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْبَعِيرَ الْمَذْكُورَ يَكُونُ مِنْ بَدَائِعِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَقْوَى عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الْبُعْرَانِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّعَاقُبُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنِ الْوَاحِدِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ فَوْقَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ لِيَقَعَ الِامْتِيَازُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَمَنْ دُونَهُ مِنَ السَّابِقِينَ فِي الْمَرَاكِبِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمَرَاتِبِ انْتَهَى مُلَخَّصًا ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ ، وَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّلِيلَ ثَابِتٌ فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وُقُوعُ الْحَشْرِ فِي الدُّنْيَا إِلَى جِهَةِ الشَّامِ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي نَبَّهْتُ عَلَيْهِ قَبْلُ ، وَحَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ جَدِّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ رَفَعَهُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتَجُرُونَ عَلَى وُجُوهكُمْ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ وَحَدِيثَ : سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، وَتَنْحَازُ النَّاسُ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا ، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ : لَأَضَعَنَّ عَلَيْكِ عَرْشِي ، وَلَأَحْشُرَنَّ عَلَيْكِ خَلْقِي ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ شَكَّ أَنَّ الْمَحْشَرَ هَهُنَا يَعْنِي الشَّامَ ، فَلْيَقْرَأْ أَوَّلَ سُورَةِ الْحَشْرِ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ : اخْرُجُوا قَالُوا : إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ ، وَحَدِيثَ : سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ قَالُوا : فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ثُمَّ حَكَى خِلَافًا ، هَلِ الْمُرَادُ بِالنَّارِ نَارٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفِتْنَةِ الشَّدِيدَةِ كَمَا يُقَالُ : نَارُ الْحَرْبِ لِشِدَّةِ مَا يَقَعُ فِي الْحَرْبِ قَالَ تَعَالَى : كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّارِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَارَ الْآخِرَةِ ، وَلَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الَّذِي زَعَمَهُ الْمُعْتَرِضُ لَقِيلَ : تَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ إِلَى النَّارِ ، وَقَدْ أَضَافَ الْحَشْرَ إِلَى النَّارِ لَكَوْنِهَا هِيَ الَّتِي تَحْشُرُهُمْ ، وَتَخْتَطِفُ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ; وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ تَكُونَ النَّارُ كِنَايَةً عَلَى الْفِتْنَةِ فَنِسْبَةُ الْحَشْرِ إِلَيْهَا سَبَبِيَّةٌ ، كَأَنَّهَا تَفْشُو فِي كُلِّ جِهَةٍ ، وَتَكُونُ فِي جِهَةِ الشَّامِ أَخَفَّ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا ، فَكُلُّ مَنْ عَرَفَ ازْدِيَادَهَا فِي الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا أَحَبَّ التَّحَوُّلَ مِنْهَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ شَدِيدَةً ، فَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى الرَّحِيلِ إِلَى الشَّامِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرَيْنِ وَإِطْلَاقُ النَّارِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ ، وَعَلَى الْمَجَازِيَّةِ ، وَهِيَ الْفِتْنَةُ إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ، وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي أَنَّ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِي آيَاتِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ وَرَدَ عَلَى الْقَصْدِ مِنَ الْخَلَاصِ مِنَ الْفِتْنَةِ ، فَمَنِ اغْتَنَمَ الْفُرْصَةَ سَارَ عَلَى فُسْحَةٍ مِنَ الظَّهْرِ ، وَيَسَرَةٍ فِي الزَّادِ رَاغِبًا فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ ، رَاهِبًا فِيمَا يَسْتَدْبِرُهُ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي الْحَدِيثِ ، وَمَنْ تَوَانى حَتَّى قَلَّ الظَّهْرُ ، وَضَاقَ عَنْ أَنْ يَسْعَهُمْ لِرُكُوبِهِمُ ، اشْتَرَكُوا وَرَكِبُوا عَقِبَهُ ، فَيَحْصُلُ اشْتِرَاكُ الِاثْنَيْنِ فِي الْبَعِيرِ الْوَاحِدِ ، وَكَذَا الثَّلَاثَةُ ، وَيُمْكِنُهُمْ كُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فِي الْوَاحِدِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمُ التَّعَاقُبُ ، وَقَدْ يُمْكِنُهُمْ إِذَا كَانُوا خِفَافًا أَوْ أَطْفَالًا ، وَأَمَّا الْعَشَرَةُ فَبِالتَّعَاقُبِ ، وَسَكَتَ عَمَّا فَوْقَهَا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا الْمُنْتَهَى فِي ذَلِكَ ، وَعَمَّا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْبَعَةِ إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الصِّنْفُ الثَّانِي فِي الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّالِثُ فَعَبِّرْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : تَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ تَحْصِيلِ مَا يَرْكَبُونَهُ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ حَالِهِمْ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ أَوْ يُسْحَبُونَ فِرَارًا مِنَ النَّارِ الَّتِي تَحْشُرُهُمْ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كَلَامِ الْمُعْتَرِضِ ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنِ السَّبَبِ فِي مَشْيِ الْمَذْكُورِينَ فَقَالَ : يُبْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ حَتَّى لَا يُلْقَى ذَاتُ ظَهْرٍ ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيُعْطَى الْحَدِيقَةَ الْمُعْجَبَةَ بِالشَّارِفِ ذَاتَ الْقَتَبِ ، أَيْ يَشْتَرِي النَّاقَةَ الْمُسِنَّ لِأَجْلِ كَوْنِهَا تَحْمِلُهُ عَلَى الْقَتَبِ بِالْبُسْتَانِ الْكَرِيمِ ؛ لِهَوَانِ الْعَقَارِ الَّذِي عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ عَنْهُ وَعِزَّةِ الظَّهْرِ الَّذِي يُوصِلُهُ إِلَى مَقْصُودِهِ ، وَهَذَا لَائِقٌ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا وَمُؤَكِّدٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ ، وَيَتَنَزَّلُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثِ الْبَابِ يَعْنِي مِنَ الْمَصَابِيحِ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : فَوْجٌ طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ مُوَافِقٌ لِقولِهِ : رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ ، وَقَوْلُهُ : وَفَوْجٌ يَمْشُونَ مُوَافِقٌ لِلصِّنْفِ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى الْبَعِيرِ ، فَإِنَّ صِفَةَ الْمَشْيِ لَازِمَةٌ لَهُمْ ، وَأَمَّا الصِّنْفُ الَّذِينَ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ فَهُمُ الَّذِينَ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ . وَالْجَوَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الثَّالِثِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ شَوَاهِدِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّارِ نَارَ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ نَارٌ تَخْرُجُ فِي الدُّنْيَا أَنْذَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخُرُوجِهَا ، وَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ مَا تَفْعَلُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ . وَالْجَوَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الرَّابِعِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي لَفْظِهِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَا بَعْدَ الْبَعْثِ فِي الْحَشْرِ إِلَى الْمَوْقِفِ ، إِذْ لَا حَدِيقَةَ هُنَاكَ وَلَا آفَةَ تُلْقَى عَلَى الظَّهْرِ حَتَّى يَعِزَّ وَيَقِلَّ ، ووَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَرْضَ الْمَوْقِفِ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لَا عِوَجَ فِيهَا ، وَلَا أَكَمَةَ ، وَلَا حَدَبَ ، وَلَا شَوْكَ ، وَأَشَارَ الطِّيبِيُّ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ الَّذِي مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَلَى مَنْ يُحْشَرُ مِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى مَكَانِ الِاسْتِقْرَارِ مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالرُّكْبَانِ السَّابِقِينَ الْمُتَّقِينَ ، وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا أَيْ رُكْبَانًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ مَا يُحْشَرُ الْوَفْدُ عَلَى أَرْجُلِهِمْ وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا ، وَلَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ لَمْ تَرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا ، عَلَيْهَا رِحَالُ الذَّهَبِ ، وَأَزِمَّتُهَا الزَّبَرْجَدُ ، فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ، وَالْمُرَادُ سَوْقُ رَكَائِبِهِمْ إِسْرَاعًا بِهِمْ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ بِمَنْ يَشْرُفُ وَيَكْرُمُ مِنَ الْوَافِدِينَ عَلَى الْمُلُوكِ . قَالَ : وَيُسْتَبْعَدُ أَنْ يُقَالَ : يَجِيءُ وَفْدُ اللَّهِ عَشْرٌ عَلَى بَعِيرٍ جَمِيعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ حَالَ الْمَحْشُورِينَ عِنْدَ انْقِرَاضِ الدُّنْيَا إِلَى جِهَةِ أَرْضِ الْمَحْشَرِ ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ ، وَحَالُ الْمَحْشُورِينَ فِي الْأُخْرَى إِلَى مَحِلِّ الِاسْتِقْرَارِ انْتَهَى كَلَامُ الطَّيِّبِيِّ عَنْ جَوَابِ الْمُعْتَرِضِ مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا بِزِيَادَاتٍ فِيهِ ، لَكِنْ تَقَدَّمَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ لَيْسَ فِي الْمَحْشُورِينَ مِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى مَحِلِّ الِاسْتِقْرَارِ ثُمَّ خَتَمَ كَلَامَهُ بِأَنْ قَالَ : هَذَا مَا سَنَحَ لِي عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْمَحْشَرِ : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ ، فَعَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ . قُلْتُ : وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى لَفْظِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا فِي صَحِيحِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ فِيهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، نَعَمْ ثَبَتَ لَفْظُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ قَبْلُ ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْقُبُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّ الظَّهْرَ يَقِلُّ لِمَا يُلْقَى عَلَيْهِ مِنَ الْآفَةِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِي الشَّارِفَ الْوَاحِدَ بِالْحَدِيقَةِ الْمُعْجَبَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّهُ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَا بَعْدَ الْمَبْعَثِ ، وَقَدْ أَبْدَى الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ احْتِمَالَيْنِ فَقَالَ : قَوْلُهُ : رَاغِبِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الْأَبْرَارِ ، وَقَوْلُهُ : رَاهِبِينَ إِشَارَةً إِلَى الْمُخَلَّطِينَ الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، وَالَّذِينَ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ هُمُ الْكُفَّارُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ قَوْلِهِ : وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ صِفَتَانِ لِلصِّنْفَيْنِ الْأَبْرَارِ وَالْمُخَلَّطِينَ ، وَكِلَاهُمَا يُحْشَرُ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ حَشْرِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَوْجِ الْأَوَّلِ الْأَبْرَارَ ، وَبِالْفَوْجِ الثَّانِي الَّذِينَ خَلَّطُوا ، فَيَكُونُونَ مُشَاةً ، وَالْأَبْرَارُ رُكْبَانًا ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْكُفَّارِ أَعْيَا مِنْ بَعْضٍ ، فَأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، وَمَنْ دُونَهُمْ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ مَعَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْفُسَّاقِ ، وَقْتَ حَشْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ ، وَأَمَّا الظَّهْرُ ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُحْيِهِ اللَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الدَّوَابِّ ، فَيَرْكَبُهَا الْأَبْرَارُ ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى بَقِيَّتِهَا حَتَّى يَبْقَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُخَلَّطِينَ بِلَا ظَهْرٍ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَعَ قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ : حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيُعْطى الْحَدِيقَةَ الْمُعْجَبَةَ بِالشَّارِفِ ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ لِلَّذِينَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ عُرَاةً حُفَاةً حَدَائِقَ حَتَّى يَدْفَعُوهَا فِي الشَّوَارِفِ ؟ فَالرَّاجِحُ مَا تَقَدَّمَ وَكَذَا يَبْعُدُ غَايَةَ الْبُعْدِ أَنْ يَحْتَاجَ مَنْ يُسَاقُ مِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَى التَّعَاقُبِ عَلَى الْأَبْعِرَةِ ، فَرَجَحَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَشْرُ · ص 384 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف الحشر · ص 104 ( باب كيف الحشر ) أي : هذا باب فيه بيان كيفية الحشر ، وفي بعض النسخ " باب الحشر " بدون لفظ " كيف " ، قال القرطبي : الحشر الجمع ، والحشر على أربعة أوجه : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة ؛ أما أحد الحشرين اللذين في الدنيا : فهو المذكور في سورة الحشر ، في قوله عز وجل : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ قال الزهري : كانوا من سبط لم يصبهم الجلاء ، وكان الله تعالى قد كتبه عليهم ، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا ، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام ، وأما الحشر الآخر : فهو ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا الباب " يحشر الناس على ثلاث طرائق " .. الحديث ، وقال قتادة : الحشر الثاني نار تخرج من المشرق إلى المغرب ، وفيه " تأكل منهم من تخلف " ، قال عياض : هذا قبل قيام الساعة . وأما أحد الحشرين اللذين في الآخرة : فهو حشر الأموات من قبورهم بعد البعث إلى الموقف ، وأما الحشر الآخر ، الذي هو الرابع : فهو حشرهم إلى الجنة أو النار . 109 - حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يحشر الناس على ثلاث طرائق ؛ راغبين وراهبين ، واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير ، ويحشر بقيتهم النار ؛ تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ومعلى : بلفظ اسم المفعول من التعلية ، ابن أسد البصري ، ووهيب : مصغر وهب ، هو ابن خالد ، وابن طاوس : هو عبد الله ، يروي عن أبيه طاوس عن ابن عباس . والحديث أخرجه مسلم في باب " يحشر الناس على طرائق " عن زهير بن حرب وغيره . قوله : " ثلاث طرائق " أي : ثلاث فرق ، قال الكرماني : قالوا هذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة ، كما يجيء في الحديث الذي بعده " إنكم ملاقو الله مشاة " ، ولما فيه من ذكر المساء والصباح ، ولانتقال النار معهم ، وهي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب . قلت : قال الخطابي : هذا الحشر قبيل قيام الساعة ، يحشر الناس أحياء إلى الشام ، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو على خلاف هذه الصورة من الركوب على الإبل والتعاقب عليها ، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس في الباب " حفاة عراة مشاة " . قوله : " راغبين " هم السابقون . قوله : " وراهبين " هم عامة المؤمنين ، والكفار أهل النار ، وفي رواية مسلم " راهبين " بغير واو . قوله : " واثنان على بعير " قال الكرماني : والأبعرة إنما هي للراهبين ، والمخلصون حالهم أعلى وأجل من ذلك ، أو هي للراغبين ، وأما الراهبون فيكونون مشاة على أقدامهم ، أو هي لهما بأن يكون اثنان من الراغبين مثلا على بعير وعشرة من الراهبين على بعير ، والكفار يمشون على وجوههم . وقال الخطابي : قوله : " واثنان على بعير وثلاثة على بعير " إلى آخره ، يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد ، يركب بعض ويمشي بعض ، وإنما لم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة إيجازا واكتفاء بما ذكر من الأعداد ، مع أن الاعتقاب ليس مجزوما به ، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة ، وقال بعض شراح المصابيح : حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه ، وذكر وجوها طوينا ذكرها واكتفينا بما قاله الخطابي الذي ذكرناه الآن ، وفيه كفاية للرد عليه ، على أنه قد وردت عدة أحاديث في وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام ، منها : حديث معاوية بن حيدة قال : " سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : إنكم تحشرون - ونحا بيده نحو الشام - رجالا وركبانا ، وتحشرون على وجوهكم " أخرجه الترمذي والنسائي . قوله : " تقيل " من القيلولة ، وهي استراحة نصف النهار ، وإن لم يكن معها نوم ، يقال : قال يقيل قيلولة ، فهو قائل ، وفي قوله " يقيل " إلى آخره ، دلالة على أنهم يقيمون كذلك أياما . قوله : " وتبيت " من البيتوتة ، وتصبح من الإصباح ، وتمسي من الإمساء .