6534 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ أَخِيهِ . قَوْلُهُ : لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ قُضِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَاتِ الثَّوَابُ عَلَيْهَا ، وَبِالسَّيِّئَاتِ الْعِقَابُ عَلَيْهَا ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِعْطَاءُ الثَّوَابِ وَهُوَ لَا يَتَنَاهَى فِي مُقَابَلَةِ الْعِقَابِ وَهُوَ مُتَنَاهٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُعْطَاهُ صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْ أَصْلِ الثَّوَابِ مَا يُوَازِي الْعُقُوبَةَ عَنِ السَّيِّئَةِ ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى لِصَاحِبِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : سَيِّئَاتُ الْمُؤْمِنِ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ مُتَنَاهِيَةُ الْجَزَاءِ ، وَحَسَنَاتُهُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةِ الْجَزَاءِ ؛ لِأَنَّ مِنْ ثَوَابِهَا الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ ، فَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُعْطَى خُصَمَاءُ الْمُؤْمِنَ الْمُسِيءِ مِنْ أَجْرِ حَسَنَاتِهِ مَا يُوَازِي عُقُوبَةَ سَيِّئَاتِهِ ؛ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ خَطَايَا خُصُومِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعَذَّبُ إِنْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ ، فَإِذَا انْتَهَتْ عُقُوبَةُ تِلْكَ الْخَطَايَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ بِمَا كُتِبَ لَهُ مِنَ الْخُلُودِ فِيهَا بِإِيمَانِهِ ، وَلَا يُعْطَى خُصَمَاؤُهُ مَا زَادَ مِنْ أَجْرِ حَسَنَاتِهِ عَلَى مَا قَابَلَ عُقُوبَةَ سَيِّئَاتِهِ يَعْنِي مِنَ الْمُضَاعَفَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ وَافَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُؤْمِنًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِ الْمُوَازَنَةِ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، أَوْ مَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ ، فَالْأَوَّلُ فَائِزٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَالثَّانِي يُقْتَضَى مِنْهُ بِمَا فَضَلَ مِنْ مَعَاصِيهِ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِنَ النَّفْخَةِ إِلَى آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِمِقْدَارِ قِلَّةِ شَرِّهِ وَكَثْرَتِهِ ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ ، وَتَعَقَّبَهُ أَبُو طَالِبٍ عُقَيلُ بْنُ عَطِيَّةَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ بِأَنَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ فِيهِ أَنْ يُقَيَّدَ بِمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُ مِنْهُمْ ، وَإِلَّا فَالْمُكَلَّفُ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَصَوَّبَ الثَّالِثَ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ أَهْلُ الْأَعْرَافِ قَالَ : وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ . قُلْتُ : قَدْ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا : وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ : مَنْ يُعَذَّبُ ثُمَّ يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ ، وَمَنْ يُعْفَى عَنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ أَصْلًا . وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ ، فَيُنْصَبُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَيُنَادِي مُنَادٍ : هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ ؛ فَيَأْتُونَ فَيَقُولُ الرَّبُّ : آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، فَنِيَتِ الدُّنْيَا فَمِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ ، فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ : خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ فَأَعْطُوا كُلَّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِ طَلِبَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ نَاجِيًا وَفَضَلَ مِنْ حَسَنَاتِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ضَاعَفَهَا اللَّهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بِهَا الْجَنَّةَ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : صَاحِبُ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ ، يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا ذَهَبَ يَوْمَئِذٍ وَلَا فِضَّةَ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَرُدَّتْ عَلَى الظَّالِمِ . أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ رَفَعَهُ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقَصَّهُ مِنْهُ ، حَتَّى اللَّطْمَةَ . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ وَإِنَّمَا نُحْشَرُ حُفَاةً عُرَاةً ؟ قَالَ : بِالسَّيِّئَاتِ وَالْحَسَنَاتِ ، وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ فِي التَّوْحِيدِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي نَحْوِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مُوَازَنَةِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ الْجُمَعِ كِتَابًا لَطِيفًا ، وَتَعَقَّبَ أَبُو طَالِبٍ عُقَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ أَكْثَرَهُ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ تَحْرِيرُ الْمَقَالِ فِي مُوَازَنَةِ الْأَعْمَالِ وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَمَا بَعْدَهُ دَلَالَةٌ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ ، وَالْكَافِرُ لَا يُعَاقَبُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ : هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَمَعَ ذَلِكَ فَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ : الْحَدِيثُ فِي الشَّفَاعَةِ أَصَحُّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ فِي قَوْمٍ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ كُفِّرَتْ عَنْهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ ، وَحَدِيثُ الشَّفَاعَةِ فِي قَوْمٍ لَمْ تُكَفَّرْ ذُنُوبُهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ لَهُمْ فِي الْفِدَاءِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ مَجَازًا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَرِيبًا بِلَفْظِ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فِي مُقَابِلِهِ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْفِدَاءِ إِنْزَالُ الْمُؤْمِنِ فِي مَقْعَدِ الْكَافِرِ مِنَ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ أُعِدَّ لَهُ ، وَإِنْزَالُ الْكَافِرِ فِي مَقْعَدِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي كَانَ أُعِدَّ لَهُ ، وَقَدْ يُلَاحَظُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا وَبِذَلِكَ أَجَابَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ فَأَوَّلَهَا النَّوَوِيُّ أَيْضًا تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ تِلْكَ الذُّنُوبَ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا سَقَطَتْ عَنْهُمْ وُضِعَتْ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلُهَا بِكُفْرِهِمْ فَيُعَاقَبُونَ بِذُنُوبِهِمْ لَا بِذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَيَضَعُهَا أَيْ يَضَعُ مِثْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَبْقَى عَلَى الْكُفَّارِ سَيِّئَاتِهِمْ صَارُوا فِي مَعْنَى مَنْ حَمَلَ إِثْمَ الْفَرِيقَيْنِ ؛ لِكَوْنِهِمُ انْفَرَدُوا بِحَمْلِ الْإِثْمِ الْبَاقِي وَهُوَ إِثْمُهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ آثَامًا كَانَتِ الْكُفَّارُ سَبَبًا فِيهَا بِأَنْ سَنُّوهَا ، فَلَمَّا غُفِرَتْ سَيِّئَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بَقِيَتْ سَيِّئَاتُ الَّذِي سَنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ بَاقِيَةً لِكَوْنِ الْكَافِرِ لَا يُغْفَرُ لَهُ ، فَيَكُونُ الْوَضْعُ كِنَايَةً عَنْ إِبْقَاءِ الذَّنْبِ الَّذِي لَحِقَ الْكَافِرَ بِمَا سَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ ، وَوَضَعَهُ عَنِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي فَعَلَهُ بِمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالشَّفَاعَةِ ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهَا ، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ ، وَهَذَا الثَّانِي أَقْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ · ص 404 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القصاص يوم القيامة · ص 111 ( باب القصاص يوم القيامة ) أي : هذا باب في بيان كيفية القصاص يوم القيامة ، والقصاص : بكسر القاف مأخوذ من القص ، وهو القطع ، أو من اقتصاص الأثر وهو تتبعه ، لأن الذي يطلب القصاص بتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها ، وفي المغرب : القصاص مقاصة ولي المقتول القاتل والمجروح الجارح ، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح ، ثم عم في كل مساواة . وهي الحاقة ، لأن فيها الثواب ، وحواق الأمور ، الحقة والحاقة واحد . أي : القيامة تسمى الحاقة ، قوله : " وحواق الأمور " بالنصب ، أي : ولأن فيها ثوابت الأمور ، يعني : يتحقق فيها الجزاء من الثواب والعقاب ، وسائر الأمور الثابتة الحقة الصادقة . قوله : " الحقة والحاقة " واحد ، يعني في المعنى كذا نقل عن الفراء ، وقيل : سميت الحاقة لأنها تحاق الكفار الذين خالفوا الأنبياء ، يقال : حاققته فحققته ، أي : خاصمته فخصمته ، وقيل : لأنها حق لا شك فيها . والقارعة والغاشية والصاخة والتغابن ، غبن أهل الجنة أهل النار . أي : وهي القارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها ، وقال الجوهري : القارعة الشديدة من شدائد الدهر ، وهي الداهية ، وأصل معنى القرع الدق ، ومنه قرع الباب وقرع الرأس بالعصا . قوله : " والغاشية " سميت بذلك لأنها تغشى النار بإفزاعها ، أي : تعمهم بذلك ، وعن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب : الغاشية النار ، وقال أكثر المفسرين : الغاشية القيامة ، تغشى كل شيء بالأهوال . قوله : " والصاخة " هي في الأصل الداهية ، وفي الصحاح : الصاخة الصيحة ، يقال : صخ الصوت الأذن يصخها صخا ، ومنه سميت القيامة ، وقال الثعلبي : الصاخة يعني صخة القيامة ، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع ، أي : تتابع في إسماعها حتى تكاد تصمها . قوله : " والتغابن " بالرفع ، عطف على ما قبله ، وهو تفاعل من الغبن ، وهو فوت الحظ والمراد ، وقال المفسرون : المغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة ، ويظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان ، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام . قوله : " غبن أهل الجنة " ، فقوله : " غبن " فعل ماض ، و" أهل الجنة " فاعله ، و" أهل النار " بالنصب مفعوله ، ومعناه أن أهل الجنة ينزلون منازل الأشقياء التي كانت أعدت لهم لو كانوا سعداء ، وقال بعضهم : فعلى هذا التغابن من طرف واحد ، ولكنه ذكر بهذه الصيغة للمبالغة انتهى . قلت : لا نسلم صحة ما قاله ، ولم يقل أحد إن صيغة التفاعل تجيء للمبالغة ، والتفاعل هنا على أصله ، وهو الاشتراك بين القوم ، ولا شك أنهم مشتركون في أصل الغبن لأن كل غابن فله مغبون . 120 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثني شقيق ، قال : سمعت عبد الله رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : أول ما يقضى بين الناس بالدماء . مطابقته للترجمة من حيث إن القضاء يوم القيامة هو للقصاص . وعمر بن حفص : يروي عن أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، والرجال كلهم كوفيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الديات عن عبيد الله بن موسى ، وأخرجه مسلم في الحدود عن عثمان بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه الترمذي في الديات عن أبي كريب وغيره ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث به وعن غيره ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن محمد بن عبد الله بن نمير وغيره . قوله : " بالدماء " وفي رواية الكشميهني " في الدماء " والمعنى : القضاء بالدماء التي كانت بين الناس في الدنيا ، فإن قلت : روى أبو هريرة مرفوعا " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته " . قلت : لا تعارض بينهما ، لأن الأول فيما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق ، وفي حديث الصور الطويل " عن أبي هريرة رفعه : أول ما يقضى بين الناس في الدماء ، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه فيقول : رب سل هذا فيم قتلني ؟ " وفي حديث نافع بن جبير عن ابن عباس رفعه " يأتي المقتول معلق رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الأخرى ، تسخب أوداجه دما ، حتى يقفا بين يدي الله . 121 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها ، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من ، قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله " من قبل أن يؤخذ " إلى آخره . وإسماعيل : هو ابن أبي أويس . والحديث أخرجه الترمذي في الزهد عقيب حديث زيد بن أبي أنيسة . قوله : " مظلمة " بفتح اللام والكسر ، وهو أشهر ، وهي اسم ما أخذ منك بغير حق . قوله : " لأخيه " وفي رواية الكشميهني " من أخيه " . قوله : " فليتحلله " أي : فليسأله أن يجعله حلاله ، وليطلب منه براءة ذمته قبل يوم القيامة . قوله : " فإنه ليس ثم " أي : فإن الشأن ليس هناك درهم ، و" ثم " بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم وهو اسم يشار به إلى المكان البعيد ، وهو ظرف لا يتصرف ، فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ قوله : " من حسناته " أي : من ثوابها فيزاد على ثواب المظلوم ، قيل : ثواب الحسنة خالد أبدا غير متناه ، وجزاء السيئة من الظلم غيره متناه ، فكيف يقع غير المتناهي موقع المتناهي ؟ وكيف يقوم مقامه فيصير المظلوم ظالما ؟ وأجيب بأنه يعطى خصمه من أصل ثواب الحسنة ما يوازي عقوبة سيئته ، إذ الزائد عليه فضل من الله عز وجل عليه خاصة . قوله : " فإن لم تكن له " أي : للظالم حسنات " أخذ من أصل سيئات أخيه فيحط عليه فيزاد في عقابه " قيل : ما التوفيق بينه وبين قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ؟ وأجيب بأنه لا تعارض بينهما لأنه إنما يعاقب بسبب ظلمه ، أو معناه : لا تزر باختياره وإرادته .