2 - بَاب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وقوله : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَهَا سَابِقُونَ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَةُ . 6596 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ ؟ قَالَ : كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ . قَوْلُهُ : بَابُ بِالتَّنْوِينِ ، جَفَّ الْقَلَمُ : أَيْ فَرَغَتِ الْكِتَابَةُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابَةِ ; لِأَنَّ الصَّحِيفَةَ حَالَ كِتَابَتِهَا تَكُونُ رَطْبَةً أَوْ بَعْضَهَا ، وَكَذَلِكَ الْقَلَمُ ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْكِتَابَةُ جَفَّتِ الْكِتَابَةُ وَالْقَلَمُ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ ; لِأَنَّ الْفَرَاغَ مِنَ الْكِتَابَةِ يَسْتَلْزِمُ جَفَافَ الْقَلَمِ عِنْدَ مِدَادِهِ ، قُلْتُ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كِتَابَةَ ذَلِكَ انْقَضَتْ مِنْ أَمَدٍ بَعِيدٍ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَى جَفَّ الْقَلَمُ ، أَيْ : لَمْ يَكْتُبْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَكِتَابُ اللَّهِ وَلَوْحُهُ وَقَلَمُهُ مِنْ غَيْبِهِ وَمِنْ عِلْمِهِ الَّذِي يَلْزَمُنَا الْإِيمَانُ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُنَا مَعْرِفَةُ صِفَتِهِ ، وَإِنَّمَا خُوطِبْنَا بِمَا عَهِدْنَا فِيمَا فَرَغْنَا مِنْ كِتَابَتِهِ أَنَّ الْقَلَمَ يَصِيرُ جَافًّا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( عَلَى عِلْمِ اللَّهِ ) أَيْ عَلَى حُكْمِهِ ؛ لِأَنَّ مَعْلُومَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ ، فَعِلْمُهُ بِمَعْلُومٍ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِوُقُوعِهِ ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ : جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي الدَّيْلَمِيِّ نَحْوَهُ ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّ الْقَائِلَ فَلِذَلِكَ أَقُولُ ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَلَفْظُهُ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ : إِنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ - فَلِذَلِكَ أَقُولُ : جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ . وَيُقَالُ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ أَمِيرَ خُرَاسَانَ لِلْمَأْمُونِ سَأَلَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَجَابَ : هِيَ شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونَ يَبْتَدِيهَا ; فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ . قَوْلُهُ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَ أَصْلَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ ، فَسَكَتَ عَنِّي الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ ، أَخْرَجَهُ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فَقَالَ : قَالَ أَصْبَغٌ - يَعْنِي ابْنُ الْفَرَجِ - أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْجَوْزَقِيُّ ، وَالْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَصْبَغٍ بِهِ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ : الْعَنَتَ ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَخْتَصِيَ ، وَوَقَعَ لَفْظُ : جَفَّ الْقَلَمُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَالَ سُرَاقَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ الْعَمَلُ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ، الْحَدِيثَ ، وَفِي آخَرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ : احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ ، وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ : رُفِعَ الْكِتَابُ وَجَفَّ الْقَلَمُ . قَوْلُهُ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَهَا سَابِقُونَ ، سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى : أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ قَالَ : سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ سَارَعُوا إِلَى الْخَيْرَاتِ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ السَّعَادَةِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ اللَّامَ فِي لَهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ ، فَقَالَ : مَعْنَاهُ سَابِقُونَ بِهَا ، فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ - أَيِ اللَّامَ - بِأَنَّهَا بِمَعْنَى إِلَى وَبَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى : وَهُمْ مِنْ أَجْلِهَا ، وَنَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْخَيْرَاتِ ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ أَن لِلسَّعَادَةِ ، وَالَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّ السَّعَادَةَ سَابِقَةٌ ، وَأَنَّ أَهْلَهَا سَبَقُوا إِلَيْهَا لَا أَنَّهُمْ سَبَقُوهَا . قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكِ ، بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ، بَعْدَهَا كَافٌ كُنْيَتُهُ أَبُو الْأَزْهَرِ ، وَحَكَى الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ اسْمَ وَالِدِهِ سِنَانٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، قِيلَ : كَانَ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ ، فَلُقِّبَ الرِّشْكُ . وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْكَبِيرُ اللِّحْيَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : كَانَ غَيُورًا فَقِيلَ لَهُ : إِرْشَكَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَمَضَى عَلَيْهِ الرِّشْكُ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : بَلِ الرِّشْكُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْقَمْلُ الصَّغِيرُ الْمُلْتَصِقُ بِأُصُولِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ ، وَذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ الرِّشْكَ الْقَسَّامُ . قُلْتُ : بَلْ كَانَ يَزِيدُ يَتَعَانَى مَسَّاحَةَ الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ : الْقَسَّامُ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ الرِّشْكُ لَا أَنَّ مَدْلُولَ الرِّشْكِ الْقَسَّامُ ، بَلْ هُمَا لَقَبٌ وَنِسْبَةٌ إِلَى صَنْعَةٍ ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي أَمْرِهِ مَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَمَا لِيَزِيدَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، أَوْرَدَهُ هُنَا وَفِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ . قَوْلُهُ : قَالَ رَجُلٌ ، هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَاوِي الْخَبَرِ ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَهُ ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : أَعُلِمَ ، بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ مَعْرِفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ; وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَامِلِ أَوْ مَنْ شَاهَدَهُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْعَمَلِ . قَوْلُهُ : فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ ، فِي رِوَايَاتِ حَمَّادٍ : فَفِيمَ ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ ، وَالْمَعْنَى إِذَا سَبَقَ الْقَلَمُ بِذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ الْعَامِلُ إِلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ . قَوْلُهُ : قَالَ كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُيَسَّرُ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : يُسِّرَ ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا : قَالَ : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ يَزِيدُونَ عَلَى الْعَشَرَةِ سَأُشِيرُ إِلَيْهَا فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي الَّذِي يَلِيهِ ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : كُلُّ امْرِئٍ مُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَآلَ مَحْجُوبٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي عَمَلِ مَا أُمِرَ بِهِ ، فَإِنَّ عَمَلَهُ أَمَارَةٌ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ غَالِبًا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ يُخْتَمُ لَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ جَهْدَهُ وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ الطَّاعَةِ لَا يَتْرُكَ وُكُولًا إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ ، فَيُلَامَ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ ، وَيَسْتَحِقَّ الْعُقُوبَةَ ، وَقَدْ تَرْجَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِحَدِيثِ الْبَابِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنَ التَّشْمِيرِ فِي الطَّاعَاتِ وَإِنْ جَرَى قَبْلَهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا وَفِيهِ قِصَّةٌ لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ مَعَ عِمْرَانَ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُ : أَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ؟ فَقَالَ : لَا كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ . قَالَ عِيَاضٌ : أَوْرَدَ عِمْرَانُ عَلَى أَبِي الْأَسْوَدِ شُبْهَةَ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ تَحَكُّمِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَدُخُولِهِمْ بِآرَائِهِمْ فِي حُكْمِهِ ، فَلَمَّا أَجَابَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى ثَبَاتِهِ فِي الدِّينِ قَوَّاهُ بِذِكْرِ الْآيَةِ ، وَهِيَ حَدٌّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ ، وَقَوْلُهُ : كُلٌّ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ الْأَعْلَى الْخَالِقُ الْآمِرُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إِذَا تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ بِمَا يَشَاءُ ، وَإِنَّمَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمَأْمُورِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ · ص 499 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب جف القلم على علم الله · ص 147 باب جف القلم على علم الله أي : هذا باب يذكر فيه جف القلم ، وقال بعضهم : باب بالتنوين . قلت : هذا قول من لم يمس شيئا من الإعراب ، والتنوين يكون في المعرب ولفظ باب هنا مفرد ، فكيف ينون والتقدير ما ذكرناه أو نحوه ، وجفاف القلم عبارة عن عدم تغيير حكمه لأن الكاتب لما أن جف قلمه عن المداد لا تبقى له الكتابة ، كذا قاله الكرماني ، وفيه نظر لأن الله تعالى قال : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ فإن كان مراده من عدم تغيير حكمه الذي في الأزل فمسلم وإن كان الذي في اللوح فلا ، والأوجه أن يقال : جف القلم أي : فرغ من الكتابة التي أمر بها حين خلقه ، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فإذا أراد بعد ذلك تغيير شيء مما كتبه محاه كما قال : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ قوله : على علم الله أي : حكم الله لأن معلومه لا بد أن يقع وإلا لزم الجهل ، فعلمه بمعلوم مستلزم للحكم بوقوعه . وقوله : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ذكر هذا أي قول الله تعالى إشارة إلى أن علم الله حكمه كما في قوله تعالى : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ أي : على علمه في الأزل وهو حكمه عند الظهور ، وقيل : معناه أضله الله بعد أن أعلمه وبين له فلم يقبل . وقال أبو هريرة : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : جف القلم بما أنت لاق . صدر الحديث هو الترجمة وهو قطعة من حديث ذكر أصله البخاري من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قلت : يا رسول الله ، إني رجل شاب ، وإني أخاف على نفسي العنت ، ولا أجد ما أتزوج به النساء ، فسكت عني . . . الحديث ، وفيه : يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق ، فاختصر على ذلك أو ذر أخرجه في أوائل النكاح . وقال ابن عباس لَهَا سَابِقُونَ سبقت لهم السعادة . أي : قال ابن عباس في قوله تعالى : أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ سبقت لهم السعادة ، قيل : تفسير ابن عباس يدل على أن السعادة سابقة ، والآية تدل على أن الخيرات يعني السعادة مسبوقة ، وأجيب بأن معنى الآية أنهم سبقوا الناس لأجل السعادة لا أنهم سبقوا السعادة . 3 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا يزيد الرشك قال : سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يحدث ، عن عمران بن حصن قال : قال رجل : يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار ؟ قال : نعم ، قال : فلم يعمل العاملون ؟ قال : كل يعمل لما خلق له - أو لما يسر له . المطابقة للترجمة ظاهرة ، وآدم هو ابن أبي إياس ، ويزيد من الزيادة الرشك بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وبالكاف معناه القسام ، وقال الغساني : هو بالفارسية الغيور ، وقيل : هو كبير اللحية يقال : بلغ طول لحيته إلى أن دخلت فيها عقرب ومكثت ثلاثة أيام ولا يدري بها ، وقال الكرماني : الرشك بالفارسية القمل الصغير يلتصق بأصول الشعر ، فعلى هذا الإضافة إليه أولى من الصفة ، وما ليزيد في البخاري إلا هذا الحديث هنا ، وفي الاعتصام ومطرف على وزن اسم الفاعل من التطريف ابن عبد الله بن الشخير بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء ، وهذا من صيغ المبالغة لمن يشخر كثيرا كالسكير لمن يسكر كثيرا . والحديث أخرجه أيضا في التوحيد عن أبي معمر ، وأخرجه مسلم في القدر عن يحيى بن يحيى وغيره ، وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد ، وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن النضر . قوله : قال : قال رجل هو عمران بن حصين راوي الخبر بينه عبد الوارث بن سعيد عن يزيد الرشك ، عن عمران بن حصين قال : قلت : يا سول الله . . . فذكره . قوله : أيعرف أهل الجنة من أهل النار ؟ أي : أيميز بينهما قيل : المعرفة إنما هي بالعمل لأنه إمارة فما وجه سؤاله ، وأجيب بأن معرفتنا بالعمل أما معرفة الملائكة مثلا فهي قبل العمل ، فالغرض من لفظ أيعرف أيميز ويفرق بينهما تحت قضاء الله وقدره . قوله : فلم يعمل العاملون ؟ وفي رواية حماد : ففيم ؟ وهو استفهام ، والمعنى إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل لأنه سيصير إلى ما قدر له . قوله : كل يعمل أي : كل أحد يعمل لما خلق له على صيغة المجهول ، وكلمة ما موصولة أي : للذي خلق له ، وفي رواية حماد : كل ميسر له خلق له ، وقد جاء بهذا اللفظ عن جماعة من الصحابة منها ما رواه أحمد بإسناد حسن بلفظ : كل امرئ مهيأ لما خلق له . قوله : أو لما يسر له شك من الراوي أي : كل يعمل لما يسر له بضم الياء آخر الحروف وتشديد السين المكسورة وفتح الراء هذا هكذا ، ورواية الكشميهني وفي رواية غيره : لما ييسر له بضم الياء الأولى وفتح الثانية وتشديد السين ، وحاصل معنى هذا أن العبد لا يدري ما أمره في المآل لأنه يعمل ما سبق في علمه تعالى ، فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به ، فإن عمله إمارة إلى ما يؤول إليه أمره .