28 - بَاب النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ 6696 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ ) ، أَيْ : حُكْمُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَابٌ بِالتَّنْوِينِ ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : النَّذْرُ فِي الطَّاعَةِ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ ، فَلَا يَكُونُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ نَذْرًا شَرْعًا . قَوْلُهُ : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ سَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ : مِنْ أَنْصَارٍ . وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ الثَّنَاءُ عَلَى فَاعِلِهِ نَذْرُ الطَّاعَةِ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ) ، هُوَ الْأَيْلِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ طَبَقَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ طَلْحَةَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْقَاسِمِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى رِوَايَةِ يَحْيَى وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ فَرَجَعَتْ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى طَلْحَةَ وَرِوَايَةُ يَحْيَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ وَسَلِمَتْ رِوَايَةُ أَيُّوبَ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي رَدِّ دَعْوَى انْفِرَادِ طَلْحَةَ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُجَبَّرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ عَنِ الْقَاسِمِ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ . قَوْلُهُ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ إِلَخْ ، الطَّاعَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ ، وَيُتَصَوَّرُ النَّذْرُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ بِأَنْ يُؤَقِّتَهُ ، كَمَنْ يَنْذُرُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَقَّتَهُ ، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّذْرِ وَاجِبًا وَيَتَقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ النَّاذِرُ وَالْخَبَرُ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِوَفَاءِ النَّذْرِ إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَهَلْ يَجِبُ فِي الثَّانِي كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ لَا ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَيَأْتِي أَيْضًا بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَا سَكَتَ عَنْهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ نَذْرُ الْمُبَاحِ ، وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الطَّاعَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ : وَاجِبٌ عَيْنًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا وَصِفَةً فِيهِ ، فَيَنْعَقِدُ كَإِيقَاعِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ فَيَنْعَقِدُ ، وَمَنْدُوبٌ عِبَادَةً عَيْنًا كَانَ أَوْ كِفَايَةً فَيَنْعَقِدُ ، وَمَنْدُوبٌ لَا يُسَمَّى عِبَادَةً كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةِ الْقَادِمِ فَفِي انْعِقَادِهِ وَجْهَانِ وَالْأَرْجَحُ انْعِقَادُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ إِلَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ · ص 589 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب النذر في الطاعة · ص 208 باب النذر في الطاعة أي هذا باب في بيان حكم النذر في الطاعة ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون باب بالتنوين ، ويريد بقوله : النذر في الطاعة حصر المبتدأ في الخبر فلا يكون نذر المعصية نذرا شرعيا . قلت : لهذا الاحتمال وجه ، ولكن قوله : باب منون ، لا يقال كذلك لأن المنون هو المعرب والمعرب جزء المركب ، نحو قولك : زيد قائم ، فإن زيدا وحده لا يكون معربا ، وكذا قائم وحده ، وكذا لفظ باب لا يكون معربا إلا بالتقدير الذي قدرناه . وقوله : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ساق هذه الآية غير أبي ذر إلى قوله : مِنْ أَنْصَارٍ ذكرها هاهنا إشارة إلى أن الذي أوقع الثناء على فاعل النذر هو ما نذر في الطاعة لأن النذر في الطاعة واجب الوفاء به عند الجمهور لمن قدر عليه . والنذر على أربعة أقسام : أحدها طاعة كالصلاة ، الثاني : معصية كالزنا ، الثالث : مكروه كنذر ترك التطوع ، الرابع : مباح كنذر أكل بعض المباحات ولبسه واللازم الطاعة والقربة عملا بحديث الباب ، ولا يلزم العمل بما عداه عملا ببقية الحديث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب النذر في الطاعة · ص 208 70 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مالك ، عن طلحة بن عبد الملك ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وطلحة بن عبد الملك الأيلي بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف نزيل المدينة ثقة من طبقة ابن جريج ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه أبو داود في النذر عن القعنبي ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن مالك به ، وأخرجه النسائي أيضا عن قتيبة وغيره ، وأخرجه ابن ماجه في الكفارات عن أبي بكر بن أبي شيبة . وقال أبو عمر : قال قوم من أهل الحديث : إن طلحة تفرد بهذا الحديث عن القاسم ، قيل : ليس كذلك فقد تابعه أيوب ويحيى بن أبي كثير عن ابن حيان ، ورواه الطحاوي أيضا من حديث عبد الرحمن بن مجبر بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة عن القاسم . قوله : أن يطيع الله كلمة أن مصدرية ، والإطاعة أعم من أن تكون في واجب أو مستحب ، قوله : فليطعه مجزوم لأنه جواب الشرط ، قوله : فلا يعصه مجزوم أيضا لأنه جواب الشرط ، ويروى : من نذر أن يعصي الله .