30 - بَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ ، فَقَالَ : صَلِّي عَنْهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ 6698 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا ، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ ) ، أَيْ : هَلْ يُقْضَى عَنْهُ أَوْ لَا ؟ وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ ، لَكِنْ هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ ، خِلَافٌ يَأْتِي بَيَانُهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ ) يَعْنِي : فَمَاتَتْ ، ( فَقَالَ : صَلِّي عَنْهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ) وَصَلَهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَيِ : ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ ، أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، فَمَاتَتْ ، وَلَمْ تَقْضِهِ ، فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ مَرَّةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَعْتَكِفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَكِفْ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّكَ ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ مَوْقُوفًا ، ثُمَّ قَالَ : وَالنَّقْلُ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُضْطَرِبٌ . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْإِثْبَاتِ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ وَالنَّفْيِ فِي حَقِّ الْحَيِّ ، ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بِمَا إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ ، فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ فَقَالَ : يُصَامُ عَنْهُ النَّذْرُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : صَلِّي عَنْهَا الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ ، فَعَدَّ مِنْهَا الْوَلَدَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ ، فَأَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ مَكْتُوبَةٌ لِلْوَالِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ ، فَمَعْنَى : صَلِّي عَنْهَا ، أَنَّ صَلَاتَكِ مُكْتَتَبَةٌ لَهَا ، وَلَوْ كُنْتِ إِنَّمَا تَنْوِي عَنْ نَفْسِكِ كَذَا قَالَ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِالْوَلَدِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَام مَالِكٍ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً لَا عَنْ حَيٍّ وَلَا عَنْ مَيِّتٍ ، وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَلَكَانَ الشَّارِعُ أَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ أَبَوَيْهِ ، وَلَمَا نُهِيَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ ، وَلَبَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا انْتَهَى . وَجَمِيعُ مَا قَالَ لَا يَخْفَى وَجْهُ تَعَقُّبِهِ خُصُوصًا مَا ذَكَرَهُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَعُمُومُهَا مَخْصُوصٌ اتِّفَاقًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : قَالَ صَلِّي عَلَيْهَا ، وُجِّهَ بِأَنَّ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ عَلَى رَأْيٍ قَالَ : أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى قُبَاءٍ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا ، وَذَكَرْتُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : ( فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ ) ، أَيْ : صَارَ قَضَاءُ الْوَارِثِ مَا عَلَى الْمُوَرِّثِ طَرِيقَةً شَرْعِيَّةً أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَيُونُسَ وَمَعْمَرٍ ، وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا ، وَأَظُنُّهَا مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ ، وَيَحْتَمِلُ مِنْ شَيْخِهِ ، وَفِيهَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْهِجْرَةِ مُنْذُ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حَجَّ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا أَذِنَ فِيهِ ، فَيُقَالُ لِمَنْ قَلَّدَ ، قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ غَيْرَهُ ; وَهَذَا الزُّهْرِيُّ مَعْدُودٌ فِي فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ شَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ابْنُ حَزْمٍ لِلظَّاهِرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَنَّ الْوَارِثَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ النَّذْرِ عَنْ مُوَرِّثِهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ ، قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُهَيْلٍ فِي اللِّعَانِ لَمَّا فَارَقَهَا الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِرَاقِهَا ، قَالَ : فَكَانَتْ سُنَّةً . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ نَذْرِ أُمِّ سَعْدٍ ، فَقِيلَ : كَانَ صَوْمًا لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْبَطِينُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . الْحَدِيثَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَقِيلَ : كَانَ عِتْقًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَ إِرْسَالِهِ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ نَذَرَتْ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : كَانَ نَذْرُهَا صَدَقَةً ، وَقَدْ ذَكَرْتُ دَلِيلَهُ مِنَ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : أَنَّ سَعْدًا خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لِأُمِّهِ : أَوْصِ ، قَالَتِ الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ; فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَحْوُهُ ، وَزَادَ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْمَاءُ الْحَدِيثَ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا نَذَرَتْ ذَلِكَ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ نَذْرُهَا فِي الْمَالِ أَوْ مُبْهَمًا . قُلْتُ : بَلْ ظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ مُعَيَّنًا عِنْدَ سَعْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ قَضَاءُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مَالِيٌّ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ إِلَّا إِنْ وَقَعَ النَّذْرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَيَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا ، وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِقِصَّةِ أُمِّ سَعْدٍ هَذِهِ ، وَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ : إِنَّهَا صَارَتْ سُنَّةً بَعْدُ ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ قَضَاهُ مِنْ تَرِكَتِهَا أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ . وَفِيهِ اسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ ، وَفِيهِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ الْوَفَاةِ وَالتَّوَصُّلُ إِلَى بَرَاءَةِ مَا فِي ذِمَّتِهِمْ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ : هَلْ يَكُونُ كَالْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ لَا ؟ فَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ أَنَّهُ مِثْلُهُ ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا رَجَّحَ جَمَاعَةٌ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ · ص 592 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من مات وعليه نذر · ص 209 باب من مات وعليه نذر أي هذا باب في بيان من مات والحال أنه عليه نذر، أهل يقضى عنه أم لا . وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ، فقال : صلي عنها . هذا أوضح حكم الترجمة يعني من مات وعليه نذر يقضي عنه ، وبهذا أخذت الظاهرية ، وقالوا : يجب قضاء النذر عن الميت على ورثته صوما كان أو صلاة ، وقالت الشافعية : تجوز النيابة عن الميت في الصلاة والحج وغيرهما لتضمن أحاديث الباب بذلك . وفي التوضيح : الفعل الذي يتضمن فعل النذر خاصة كالصلاة والصوم ، فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا يفعل ، وقال محمد بن الحكم : يصام عنه ، وهو القديم للشافعي وصحت به الأحاديث فهو المختار وقاله . أحمد وإسحاق وأبو ثور وأهل الظاهر ، وعند الحنفية : لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم عنه . ونقل ابن بطال إجماع الفقهاء على أنه لا يصلي أحد عن أحد فرضا ولا سنة لا عن حي ولا عن ميت ، والجواب عما روي عن ابن عمر أنه صح عنه خلاف ذلك ، فقال مالك في الموطأ : إنه بلغه أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول : لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد . ويحمل قوله في الأثر المذكور صلي عنها إن شئت ، وقال الكرماني : ويروى صلي عليها ، فإما أن يقام على مقام عن إذ حروف الجر بينها مناوبة وإما أن يقال : الضمير راجع إلى قباء ، انتهى . قلت : المناوبة بين الحروف ليست على الإطلاق ، ولم يقل أحد إن على تأتي بمعنى عن مع أن جماعة زعموا أن على لا تكون إلا اسما ، ونسبوه لسيبويه . أقول : لم لا يجوز أن يكون معنى صلي عليها ادعي لها ، فيكون قد أمرها بالدعاء لها لا بالصلاة عنها ؟ ! وقال ابن عباس نحوه . أي قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما نحو ما قال عبد الله بن عمر ، ووصل هذا المعلق ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن جبير ، قال مرة عن ابن عباس قال : إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه . وروي عنه خلاف ذلك ، رواه النسائي من طريق أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس ، قال : لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ، وجمع بعضهم بين الروايتين بأن الإثبات في حق من مات ، والنفي في حق الحي . قلت : النقل عنه في هذا مضطرب فلا يقوم به حجة لأحد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من مات وعليه نذر · ص 210 72 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه ، فأفتاه أن يقضيه عنها ، فكانت سنة بعد . مطابقته للترجمة ظاهرة ويوضح حكمها أيضا ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، والزهري محمد بن مسلم ، وعبيد الله هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود . والحديث مضى في كتاب الوصايا في باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذر عن الميت ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس : أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . . الحديث . قوله : كان على أمه اختلفوا في النذر الذي كان عليها ، فقيل : كان صياما ، وقيل : عتقا ، وقيل : كان صدقة ، وقيل : كان نذرا مطلقا لا ذكر فيه لشيء من هذه الأشياء . والحكم في النذر المبهم كفارة يمين ، روي هذا عن ابن عباس وعائشة وجابر رضي الله تعالى عنهم ، وقال ابن بطال : وهو قول جمهور الفقهاء ، وروي عن سعيد بن جبير وقتادة أن النذر المبهم أغلظ الأيمان ، وله أغلظ الكفارات : عتق ، أو كسوة ، أو إطعام . قال : والصحيح قول من جعل فيه كفارة يمين لما رواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن إسماعيل بن رافع ، عن خالد بن يزيد ، عن عقبة بن عامر قال : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين . قوله : فأفتاه أي فأفتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقضيه عنها أي عن أمه ، وذلك بحسب ما وقع نذرها . قوله : فكانت سنة بعد ، قال الكرماني : أي صار قضاء الوارث ما على الموروث طريقة شرعية ، وتبعه بعضهم على هذا التفسير . قلت : هذا وإن كان حاصل المعنى ولكن معنى التركيب ليس كذلك ، وإنما معناه فكانت فتوى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سنة يعمل بها بعد إفتاء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، والضمير في كانت يرجع إلى الفتوى ، يدل عليها قوله : فأفتاه ، وهو من قبيل قوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي فإن العدل يدل عليه قوله : اعدلوا .