9 - بَاب الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الْأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ 615 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ ) ) أَيِ الِاقْتِرَاعُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : قِيلَ : لَهُ الِاسْتِهَامُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى سِهَامٍ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ غَلَبَ . قَوْلُهُ : ( وَيَذْكُرُ أَنَّ قَوْمًا اخْتَلَفُوا ) أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ : تَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ بِالْقَادِسِيَّةِ فَاخْتَصَمُوا إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ . وَقَدْ وَصَلَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي الْفُتُوحِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ ، عَنْ شَقِيقٍ - وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ - قَالَ : افْتَتَحْنَا الْقَادِسِيَّةَ صَدْرَ النَّهَارِ ، فَتَرَاجَعْنَا وَقَدْ أُصِيبَ الْمُؤَذِّنُ فَذَكَرَهُ وَزَادَ : فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَذَّنَ . ( فَائِدَةٌ ) : الْقَادِسِيَّةُ مَكَانٌ بِالْعِرَاقِ مَعْرُوفٌ ، نُسِبَ إِلَى قَادِسٍ رَجُلٍ نَزَلَ بِهِ ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّسَ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلِذَلِكَ صَارَ مَنْزِلًا لِلْحَاجِّ ، وَكَانَتْ بِهِ وَقْعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مَشْهُورَةٌ مَعَ الْفُرْسِ وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَكَانَ سَعْدٌ يَوْمَئِذٍ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُمَيٍّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ . قَوْلُهُ : ( مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : وَضَعَ الْمُضَارِعَ مَوْضِعَ الْمَاضِي لِيُفِيدَ اسْتِمْرَارَ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( مَا فِي النِّدَاءِ ) أَيِ الْأَذَانِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ . قَوْلُهُ : ( وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ ) زَادَ أَبُو الشَّيْخِ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَطْلَقَ مَفْعُولَ يَعْلَمُ وَهُوَ مَا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْفَضِيلَةَ مَا هِيَ لِيُفِيدَ ضَرْبًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصْفِ ، وَالْإِطْلَاقُ إِنَّمَا هُوَ فِي قَدْرِ الْفَضِيلَةِ وَإِلَّا فَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ لَا يَجِدُوا وَوَجَّهَهُ بِجَوَازِ حَذْفِ النُّونِ تَخْفِيفًا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا ) أَيْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِنْ وُجُوهِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، أَمَّا فِي الْأَذَانِ فَبِأَنْ يَسْتَوُوا فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَحُسْنِ الصَّوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ الْمُؤَذِّنِ وَتَكْمِلَاتِهِ ، وَأَمَّا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَبِأَنْ يُصَلُّوا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَيَسْتَوُوا فِي الْفَضْلِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، إِذَا لَمْ يَتَرَاضَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَنْ قَالَ : بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِصِحَّةِ اسْتِهَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي مُقَابَلَةِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِهَامَ عَلَى الْأَذَانِ يَتَوَجَّهُ مِنْ جِهَةِ التَّوْلِيَةِ مِنَ الْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَزِيَّةِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِهَامِ هُنَا التَّرَامِي بِالسِّهَامِ ، وَأَنَّهُ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ . وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثٍ لَفْظُهُ لَتَجَالَدُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ لَكِنِ الَّذِي فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ أَوْلَى ، وَلِذَلِكَ اسْتَشْهَدَ لَهُ بِقِصَّةِ سَعْدٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ لَكَانَتْ قُرْعَةً . قَوْلُهُ : ( عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ لِيَشْمَلَ الْأَمْرَيْنِ الْأَذَانَ وَالصَّفَّ الْأَوَّلَ ، وَبِذَلِكَ يَصِحُّ تَبْوِيبُ الْمُصَنِّفِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَا عَلَى النِّدَاءِ ، وَهُوَ حَقُّ الْكَلَامِ ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ . وَنَازَعَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَبْقَى النِّدَاءُ ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ لَهُ ، قَالَ : وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا أَيْ جَمِيعَ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا فَهَذَا مُفْصِحٌ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ . قَوْلُهُ : ( التَّهْجِيرُ ) أَيِ التَّبْكِيرُ إِلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَحَمَلَهُ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا : الْمُرَادُ الْإِتْيَانُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، لِأَنَّ التَّهْجِيرَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَإِلَى ذَلِكَ مَالَ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِبْرَادِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الرِّفْقُ ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ قَائِلَتَهُ وَقَصَدَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيَنْتَظِرَ الصَّلَاةَ فَلَا يَخْفَى مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ . قَوْلُهُ : ( لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْمُرَادُ بِالِاسْتِبَاقِ مَعْنًى لَا حِسًّا ، لِأَنَّ الْمُسَابَقَةَ عَلَى الْأَقْدَامِ حِسًّا تَقْتَضِي السُّرْعَةَ فِي الْمَشْيِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ . انْتَهَى . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ قَرِيبًا ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ · ص 114 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الاستهام في الأذان · ص 471 9 - باب الاستهام في الأذان ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان ، فأقرع بينهم سعد . قال عبد الله ابن الإمام أحمد : ثنا أبي : ثنا هشيم ، قال : ابن شبرمة أخبرنا ، قال : تشاح الناس بالقادسية على الأذان ، فارتفعوا إلى سعد ، فأقرع بينهم . وهذا إسناد منقطع . قال عبد الله ابن الإمام أحمد : سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان أنهما أحق بالمسجد ، هذا يؤذن فيه وهذا يؤذن فيه ؟ فقال : إذا استووا في الصلاح والورع أقرع بينهما . وكذلك فعل سعد ، فإن كان أحدهما أصلح [في دينه] فينبغي لهم ألا يختصموا . فقلت : وإن كان أحدهما أسن وأقدم في هذا المسجد ، ينفق عليه ويحوطه ويتعاهده ؟ قال : هذا أحق به . ومعنى هذا : أنه إذا تشاح في الأذان اثنان ، فإن امتاز أحدهما بمزيد فضل في نفسه فإنه يقدم ، وهو مراد أحمد بقوله : ( إن كان أحدهما أصلح [في دينه] فينبغي لهم ألا يختصموا ) - يعني : أن الأصلح أحق فلا ينازع - فإن استووا في الفضل في أنفسهم وامتاز أحدهم بخدمة المسجد وعمارته قدم بذلك . وقال أصحابنا : إنه يقدم أحد المتنازعين باختصاصه بصفات الأذان المستحبة فيه ، مثل أن يكون أحدهما أندى صوتا وأعلم بالمواقيت ونحو ذلك ؛ فإن استووا في الفضائل كلها أقرع بينهم حينئذ ، كما فعل سعد . والظاهر : أن مراد أحمد : التنازع في [طلب] الأذان ابتداء ، فأما من ثبت له حق الأذان في المسجد ، وهو مؤذن راتب فيه ، فليس لأحد منازعته ، ويقدم على كل من نازعه . وقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى : قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عن القوم إذا اختلفوا في الأذان فطلبوه جميعا ؟ فقال : القرعة في ذلك حسن . وقال : ثنا هشيم ، عن ابن شبرمة : أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان ، فأقرع بينهم سعد في ذلك . قال الشالنجي : قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : إن مات المؤذن وله ولد صالح فهو أحق بالأذان ، وإن لم يطلبه ، وإن لم يكن بأهل لذلك ، وطلبه صلحاء المسجد يقرع بينهم في ذلك . وبه قال أبو خيثمة - يعني : زهير بن حرب . وقال ابن أبي شيبة في الأذان : على ما جاء : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ) ، وكذلك الأذان . قال الجوزجاني بعد أن ذكر هذا عن الشالجني - ما معناه - : إن اختلاف الناس يرد إلى السنة . ثم روى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ( المؤذن مؤتمن ) من طرق . وروى حديث حسين بن عيسى ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليؤذن لكم خياركم ) . وقد خرجه أبو داود وابن ماجه . وتكلم فيه من جهة الحسين ، والحكم - أيضا . وفي مراسيل صفوان بن سليم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبني خطمة من الأنصار : ( يا بني خطمة ، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في أنفسكم ) . ثم قال الجوزجاني : لا بد أن يكون المؤذن خيارا ، وبأن يكون مؤتمنا متبعا للسنة ، فالمبتدع غير مؤتمن . فإن اجتمعت هذه الخلال في عدة من أهل المسجد ، فإن أحقهم بالأذان أنداهم صوتا . ثم ذكر حديث عبد الله بن زيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( ألقه على بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك ) . قال : وإنما أظنهما كانا متقاربين في الفضل والأمانة ، وفَضَله بلال بالصوت ، فلذلك رآه أحق . فإذا اجتمع رجال في المسجد وعلاهم رجل ببعض هذه الخصال كان أحق بالأذان ، وإذا استوت فيها حالاتهم فالقرعة عند ذلك حسن . وأشار إلى فعل سعد وعضده بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلم الناس ما في النداء ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) . ثم قال : فأما الآباء والأبناء والعصبة في الأذان والإمامة ، فإنا لا نعلم فيه سنة ماضية . والله أعلم . انتهى ما ذكره ملخصا . وخرج أبو داود من رواية غالب القطان ، عن رجل ، عن أبيه ، عن جده ، أن رجلا منهم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقال : إن أبي شيخ كبير ، وهو عريف الماء ، وإنه سألك أن تجعل إلي العرافة بعده ؟ فقال : ( إن العرافة حق ، ولا بد للناس من العرفاء ، والعرفاء في النار ) . وهذا إسناد مجهول . ولم يذكر أنه جعل العرافة له بمجرد كون أبيه عريفا ، والإمامة العظمى لا تستحق بالنسب ، ولهذا أنكر الصحابة على من بايع لولده . وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : جئتم بها هرقلية ، تبايعون لأبنائكم ! وسمع ذلك عائشة والصحابة ، ولم ينكروه عليه ، فدل على أن البيعة للأبناء سنة الروم وفارس ، وأما سنة المسلمين فهي البيعة لمن هو أفضل وأصلح للأمة . وما تزعمه الرافضة في ذلك فهو نزعة من نزعات المشركين في تقديم الأولاد والعصبات . وسائر الولايات الدينية سبيلها سبيل الإمامة العظمى في ذلك . والله أعلم . وقد روي ما يستدل به من جعل الأذان للأبناء بعد آبائهم . قال الإمام أحمد : ثنا خلف بن الوليد : ثنا الهذيل بن بلال ، عن ابن أبي محذورة ، عن أبيه - أو جده - قال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان لنا ولموالينا ، والسقاية لبني هاشم ، والحجابة لبني عبد الدار . الهذيل بن بلال ، ضعفه ابن معين . وقواه الإمام أحمد ، وأبو حاتم . وإسناده مشكوك فيه ، ولم يسم ابن أبي محذورة هذا . وخرج الإمام أحمد والترمذي من رواية أبي مريم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الملك في قريش ، والقضاء في الأنصار ، والأذان في الحبشة ) . وخرجه الترمذي موقوفا على أبي هريرة ، وقال : هو أصح . وأبو مريم هذا ليس بالمشهور . والمراد بهذا : أن سيد المؤذنين كان من الحبشة ، لا أنه يتوارثونه بعد بلال ، فإنه لا يعرف بعده من الحبشة مؤذن . وقد يستدل - أيضا - بأن ولد أبي محذورة كانوا يتوارثون الأذان بمكة مدة طويلة ، وكذلك أولاد سعد القرظ بالمدينة . وروى الدارقطني بإسناده عن سعد القرظ : أن عمر دعاه ، فقال له : الأذان إليك وإلى عقبك من بعدك . وفي الإسناد ضعف . قال الشافعي - رحمه الله - وأصحابه : يستحب أن يكون المؤذن من ولد بعض من جعل بعض الصحابة الأذان فيهم ، ثم الأقرب إليهم فالأقرب . وقال الشافعي - أيضا - : إذا تنازع جماعة في الأذان ، ولم يكن للمسجد مؤذن راتب أقرع بينهم ، وكذا إذا كان له مؤذنون ، وتنازعوا في الابتداء ، أو كان المسجد صغيرا ، وأدى اختلاف أصواتهم إلى تهويش ، فيقرع ، ويؤذن من خرجت له القرعة ، أما إذا كان هناك راتب ، ونازعه غيره ، قدم الراتب ، وإن كان جماعة مرتبون ، وأمكن أذان كل واحد في موضع من المسجد ؛ لكبره ، أذن كل واحد وحده . وإن كان صغيرا ، ولم يؤد اختلاف أصواتهم إلى تهويش ، أذنوا جملة واحدة . وهذا كله إذا كان التشاح رغبة في فضله وثوابه ، فإن كان رغبة في الرياسة والتقدم فينبغي أن يؤخر من قصد ذلك ولا يمكن منه ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا لا نولي عملنا هذا من طلبه أو حرص عليه ) . قال سفيان الثوري : إذا رأيت الرجل حريصا على الإمامة فأخره . وكذلك إذا كان غرضه أخذ العوض الذي يعطاه أهل الأذان في هذه الأزمان ، إما من بيت المال - وقد عدم ذلك - أو من الوقف . فإن تشاح اثنان : أحدهما غرضه ثواب الأذان ، والآخر غرضه غرض الدنيا ، فلا شك في أن الأول أحق . وقد قال عثمان بن أبي العاص : إن من آخر ما عهد إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا . أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن ، والعمل عليه عند أهل العلم ، كرهوا أن يأخذوا على الأذان أجرا ، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه . وروى أبو نعيم : ثنا عمارة بن زاذان ، عن يحيى البكاء ، قال : كنت أطوف مع سعيد بن جبير ، فمر ابن عمر ، فاستقبله رجل من مؤذني الكعبة ، فقال ابن عمر : والله ، إني لأبغضك في الله ؛ لأخذ الدراهم . قال : وثنا المسعودي ، عن القاسم - هو : ابن عبد الرحمن - قال : كان يقال : أربع لا يؤخذ عليهن رزق : قراءة القرآن ، والأذان ، والقضاء ، والمقاسم . وروى وكيع في ( كتابه ) عن عمارة بن زاذان ، عن يحيى البكاء : أن ابن عمر قال له رجل في الطواف من مؤذني الكعبة : إني لأحبك في الله . قال : وإني لأبغضك في الله ؛ لتحسينك صوتك لأجل الدراهم . قال معاوية بن قرة : لا يؤذن إلا محتسب . وروى ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن حلام بن صالح ، عن فائد بن بكير ، قال : خرجت مع حذيفة إلى المسجد صلاة الفجر ، وابن النباح مؤذن الوليد بن عقبة يؤذن ، وهو يقول : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، يهوي بأذانه يمينا وشمالا . فقال حذيفة : من يرد الله أن يجعل رزقه في صوته فعل . وهذا إنما قاله حذيفة على وجه الذم له ؛ لأنه رآه يتمايل في أذانه ، كأنه يعجب بحسن صوته ، فجعل حذيفة يناكل بذلك ، وهذا مثل قول ابن عمر . ونص الشافعي - في الحديث - : إن الإمام ليس له أن يرزق المؤذنين وهو يجد من يؤذن له طوعا ممن له أمانة . وكذلك قال أصحابنا . وقال الشافعي - في القديم - : قد رزقهم إمام هدى : عثمان بن عفان . وسئل الضحاك عن مؤذن يؤذن بغير أجر فيعطى : هل يأخذ ؟ قال : إن أعطِي من غير مسألة ، وكان فقيرا ، فلا بأس أن يأخذ . وظاهر مذهب الإمام أحمد : أنه لا يأخذ على شيء من الأذان أجرا ، ونص عليه في الأذان بخصوصه . وروي عنه : أن الإمام يرزقهم من الفيء ، وهو محمول على أنه لم يجد من يتطوع بذلك . ونقل عنه ابن منصور في الذي يقوم للناس في رمضان : أيعطى ؟ قال : ما يعجبني أن يأخذ على شيء من الخير أجرا . قال : وقال إسحاق بن راهويه : لا يسعه أن يؤم على نية أخذ ، وإن أم ولم ينو شيئا من ذلك ، فأعطي أو أكرم جاز . ونقل حرب وغيره عن أحمد : أنه يقدم عند [النسا] من رضيه أهل المسجد . فحكى القاضي وأصحابه هذه رواية ثانية عن أحمد ؛ لأن الحق لهم في ذلك ؛ لأنهم أعرف بمن يبلغهم صوته ، ومن هو أعف عن النظر عند علوه عليهم للأذان . وجعل صاحب ( المغني ) رضا الجيران مقدما على القرعة ، وأنه إنما يقرع بعد ذلك . والصحيح : طريقة الأكثرين ؛ لأن أبا داود نقل عن أحمد : أنه لا يعتبر رضا الجيران بالكلية ، وإنما يعتبر القرعة ، فعلم أن رواية ومن وافقه تخالف ذلك . ولا يعتبر رضا من بنى المسجد واختياره : نص عليه أحمد ؛ معللا بأن المسجد لله ، ليس للذي بناه . يشير إلى أنه خرج عن ملكه ، وصار لله عز وجل . وهذا يدل على أنه لا [تصرف] له على المسجد الذي بناه . وهو المشهور - أيضا - عن الشافعية : أن باني المسجد ليس أحق بإمامته وأذانه من غيره . وقال أبو حنيفة وطائفة من الشافعية - كالروياني - : إن من بنى المسجد فهو أحق بأذانه وإمامته ، كما أن من أعتق عبدا فله ولاؤه . وهذا التشبيه لا يصح ؛ لأن ثبوت الولاء على العبد المعتق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته ، والحجر عليه ، والانتفاع بماله ، وإنما يستفيد به رجوع ماله إليه بعد موته ؛ لأنه لا بد من انتقال ماله عنه حينئذ ، فالمولى المعتق أحق به من غيره من المسلمين ؛ لاختصاصه بإنعامه عليه . وأما المسجد ، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم واعتكافهم وعباداتهم ، والباني له [كبقية] المسلمين في ذلك من غير زيادة . فإن شرط باني المسجد عند وقفه له قبل مصيره مسجدا بالفعل أنه وولده أحق بإمامته وأذانه صح شرطه واتبع ، وإن كان غيرهم أقرأ منهم وأندى صوتا ، إذا كان فيهم من يصلح لذلك ، وإن كان غيره أولى منه . نص على ذلك : عبيد الله بن الحسن العنبري . وهو قياس قول أحمد في صحة الواقف لنفسه ما شاء من غلة الوقف ومنافعه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الاستهام في الأذان · ص 479 قال البخاري - رحمه الله - : 615 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) . فقوله : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ) . يعني : لو يعلمون ما فيهما من الفضل والثواب ، ثم لم يجدوا الوصول إليهما إلا بالاستهام عليهما - ومعناه : الإقراع - لاستهموا عليهما تنافسا فيهما ومشاحة في تحصيل فضلهما وأجرهما . وهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند التنافس في الأذان بالقرعة ، كما سبق . وقد قيل : إن الضمير في قوله : ( لاستهموا عليه ) يعود إلى الصف الأول ؛ لأنه أقرب المذكورين ، ولم يقل : ( عليهما ) . والأظهر : أنه يعود إلى النداء والصف الأول ، كقوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الأول إذا استبق إليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه ، فإنه يقرع بينهما . وهذا مع تساويهما في الصفات ، فإن كان أحدهما أفضل من الآخر توجه أن يقدم الأفضل بغير قرعة ، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ) . خرجه مسلم من حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري ، كلاهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذكر أصحابنا : أنه لو قدم بميتين إلى مكان مسبل من مقبرة مسبلة في آن واحد ، فإن كان لأحدهما هناك ميزة من أهل مدفونين عنده أو نحو ذلك قدم ، وإن استويا أقرع بينهما ، ولو دفن اثنان في قبر ، واستويا في الصفات أقرع بينهما ، فقدم إلى القبلة من خرجت له القرعة . وفعله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بامرأتين له ، دفنهما في قبر . وأما إن كان ثبت لأحدهما حق التقدم في الصف ، فليس لأحد أن يدفعه عنه ، ولو كان أفضل منه ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقيم الرجل [الرجل] من مجلسه فيجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا ) . فإن كان السابق إلى الصف غلاما لم يبلغ الحلم جاز تأخيره . فعله أبي بن كعب بقيس بن عبادة ، وصرح به أصحابنا ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، وقول سفيان . وكذلك إن قدم رجل عبدا له إلى الصف ثم جاء ، فله أن يؤخره ويجلس مكانه . وإما إن تأخر السابق باختياره ، فهل يكره ، أم لا ؟ فيه قولان ، مبنيان على جواز الإيثار بالقرب . وظاهر كلام الإمام أحمد كراهته ، حتى في حق الابن مع أبيه ، وحكي عنه جوازه - أيضا . وعلى القول بالجواز ، فلو قام من مكانه إيثارا لرجل ، فسبق إليه غير المؤثر ، فهل يستحقه ؟ فيه وجهان : أحدهما : يستحقه ؛ لأن المؤثر سقط حقه بزواله عنه . والثاني : لا ، وهو أصح ؛ لأن من كان أحق بمكانه ، فله أن يجلس به بنفسه ، ويؤثر به غيره . وبهذا فسره الإمام أحمد ، واستحسن أبو عبيد ذلك منه . وإنما يسقط حقه إذا قام معرضا عنه ؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه ، فكذا إذا قام لإيثار غيره . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ، ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ) - دليل على أن الأذان لا يشرع إعادته مرة بعد مرة ، إلا في أذان الفجر ، كما جاءت السنة به ، وإلا فلو شرعت إعادته لما استهموا ، ولأذن واحد بعد واحد . وقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا ، وقال : مع التزاحم يؤذن واحد بعد واحد . وهو مخالف للسنة . وروي عن عمر : أنه اختصم إليه ثلاثة في الأذان ، فقضى لأحدهم بالفجر ، وللثاني بالظهر والعصر ، وللثالث بالمغرب والعشاء . وقد قيل : إن أبا بكر الخلال خرجه بإسناده ، ولم أقف إلى الآن عليه . ولو قيل : إنه يؤذن المتشاحون جملة - لم يبعد . وقد نص أحمد على أنه لو أذن على المنارة عدة فلا بأس . وقال القاضي أبو يعلى وأصحابه - متابعة للشافعي وأصحابه - : يستحب أن يقتصر على مؤذنين ، ولا يستحب أن يزيد على أربعة . ثم قالوا : إن كان المسجد صغيرا أذن واحد منهم بعد واحد ، وإن كان كبيرا أذنوا جملة ؛ لأنه أبلغ في التبليغ والإعلام . وقال أصحاب الشافعي : إذا ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره ، وإن كان صغيرا أذنوا معا ، إلا أن تختلف أصواتهم فيؤذن واحد . واستدلوا بأذان بلال وابن أم مكتوم ، وذاك إنما كان في الفجر خاصة ، ولا يعرف في غير الفجر ، إلا في الجمعة من حين زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء . وحمل ابن حبيب المالكي الاستهام على الأذان على الوقت المضيق كالجمعة والمغرب . يشير إلى أنه في الأوقات المتسعة أن يؤذن واحد بعد واحد . وقال حرب : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة ؟ [قال] : إذا أذن على المنارة عدة فلا بأس بذلك ؛ قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله فأذن أبو محذورة - أيضا . وهذا النص يشعر بأنه يجوز أن يؤذن واحد بعد واحد في غير الفجر ، وهذا محمول على جوازه إذا وقع أحيانا ، لا أنه يستحب المداومة عليه ، وأما أذان بلال وابن [أم] مكتوم فكان في الفجر ، ولم يؤذنا جملة ، فلا يدل على الاجتماع على الأذان بحال . وقد علل النبي - صلى الله عليه وسلم - أذان بلال ، فقال : ( ليرجع قائمكم ، ويوقظ نائمكم ) . وهذا المعنى لا يوجد في غير صلاة الصبح ، ولا روي في غير الصبح أنه أذن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين . وفي ( الصحيحين ) عن ابن عمر : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد واحد مؤذنان : بلال وابن أم مكتوم . وهذا يستدل به على أنه يستحب نصب مؤذنين للمسجد خشية أن يغيب أحدهما فيؤذن الآخر ؛ لئلا يتعطل الأذان مع غيبته . والذي ذكر الإمام أحمد ، خرجه ابن أبي شيبة : ثنا حفص ، عن الشيباني ، عن عبد العزيز بن رفيع ، قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان ، فأذن هو وأقام . وهذا فعله أبو محذورة مرة ؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبله ، ولم يكن مع أبي محذورة مؤذن راتب غيره بمكة . قال ابن أبي شيبة : ثنا يزيد بن هارون ، عن حجاج ، عن شيخ من المدينة ، عن بعض بني مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان ابن أم مكتوم يؤذن ، ويقيم بلال ، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم . إسناد ضعيف . ولو صح لكان دليلا على أنهما لم يكونا يجتمعان في أذان واحد في غير صلاة الفجر . وروى وكيع في ( كتابه ) ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم ، فإذا غاب واحد أذن الآخر . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد هممت أن أجعل المؤذنين ستة ) . قال : فإذا أقيمت الصلاة اشتدوا في الطرق ، فآذنوا الناس بالصلاة . هذا مرسل ضعيف ؛ فإن جابرا هو الجعفي . وأبو محذورة لم يكن يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة . وقد خرجه البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي بكر بن إسحاق ، عن العباس بن الفضل الأسفاطي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة : ثنا يحيى ، عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال ، وأبو محذورة ، وابن أم مكتوم . وقال : قال أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - : هو صحيح . وليس كما قال ابن إسحاق . هذا في كتاب ابن أبي شيبة ( المصنف ) . والصحيح : حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي - مرسلا . وروى الإمام أحمد ، ثنا إسماعيل ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان : بلال وعمرو بن أم مكتوم . وهذه الرواية أصح . وخرج الدارقطني من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن جدهم سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( يا سعد ، إذا لم تر بلالا معي فأذن ) . وفي إسناده ضعف . وفي الحديث دليل على شرف الأذان وفضله ، واستحباب المنافسة فيه لأكابر الناس وأعيانهم ، وأنه لا يوكل إلى أسقاط الناس وسفلتهم ، وقد كان الأكابر ينافسون فيه . قال قيس بن أبي حازم : قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت . وقال عبد الله بن الحسن : قال ابن أبي طالب : ما آسى على شيء ، إلا أني كنت وددت أني كنت سألت للحسن والحسين الأذان . وعن سعد بن أبي وقاص ، قال : لأن أقوى على الأذان أحب إلي من أن أحج وأعتمر وأجاهد . وعن عمر وابن مسعود - معناه . وعن ابن الزبير ، قال : وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطانا النداء . وقال النخعي : كانوا يستحبون أن يكون مؤذنيهم فقهاؤهم ؛ لأنهم ولوا أمر دينهم . وقال الحسن : قال عمر : لا يستحي رجل أن يكون مؤذنا . وقال زاذان : لو يعلم الناس ما في فضل الأذان لاضطربوا عليه بالسيوف . وقال شبيل بن عوف ، قال عمر : من مؤذنوكم ؟ قلنا : عبيدنا وموالينا . قال : إن ذلك لنقص بكم كبير . وروى قيس بن أبي حازم ، عن عمر - مثله - قال : وقال : لو أطقت الأذان مع الخليفى لأذنت . وقال يحيى بن أبي كثير : حدثت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو علم الناس ما في الأذان لتحاروه ) . قال : وكان يقال : ابتدروا الأذان ، ولا تبدروا الإمامة . وقال حماد بن سلمة : أبنا أبو غالب ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : المؤذنون أمناء للمسلمين ، والأئمة ضمناء . قال : والأذان أحب إلي من الإمامة . خرجه البيهقي . وممن رأى الأذان أفضل من الإمامة - الشافعي ، في أصح قوليه ، نص عليه في ( الأم ) ، وعلى كراهة الإمامة ؛ لما فيها من الضمان . وهو - أيضا - أصح الروايتين عن أحمد . وروى أبو حمزة السكري ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ) . قالوا : يا رسول الله ، تركتنا نتنافس في الأذان ، فقال : ( إن من بعدكم زمانا سفلتهم مؤذنوهم ) . خرجه البراز . وقال : لم يتابع عليه أبو حمزة . يعني : على الزيادة التي آخره ؛ فإن أول الحديث معروف بهذا الإسناد ، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما . وقال الدارقطني : هذه الألفاظ ليست محفوظة . قلت : وقد رويت بإسناد ضعيف ، عن يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش - أيضا . ذكره ابن عدي . وفي إسناد الحديث اختلاف كثير ، وقد روي موقوفا على أبي هريرة . قال الشافعي في ( الأم ) : أحب الأذان ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر للمؤذنين ) ، وأكره الإمامة للضمان ، وما على الإمام فيها . واستدل من رجح الإمامة - وهو أحد قولي الشافعي ، وحكي رواية عن أحمد - : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان . وأجيب عن ذلك بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ؛ ولهذا قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت . والخليفى : الخلافة . وأما الإمامة ، فلم يكن لهم بد من صلاة وهم أئمة الناس في أمور دينهم ودنياهم ، فلذلك تقلدوا الإمامة ، ومن قدر على الجمع بين المرتبتين لم يكره له ذلك ، بل هو أفضل ، وكلام عمر يدل عليه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك . وقال مصعب بن سعد : هو من السنة . وللشافعية وجه بكراهة الجمع . وفي النهي عن الجمع حديث مرفوع : خرجه البيهقي وغيره ، وهو غير صحيح . وقال الماوردي منهم : للإنسان في الأذان والإمامة أربعة أحوال : حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما ، فالأصل أن يجمع بينهما . وحال يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ، ويقدر على الأذان لعلو صوته ومعرفته بالأوقات ، فالانفراد له بالأذان أفضل . وحال يعجز فيه عن الأذان لضعف صوته وقلة إبلاغه ، ويكون قيما بالإمامة لمعرفته بأحكام الصلاة وحسن قراءته ، فالإمامة له أفضل . وحال يقدر على كل واحد منهما ويصلح له ، ولا يمكنه الجمع بينهما ، فأيهما أفضل ؟ فيه وجهان .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاستهام في الأذان · ص 124 باب الاستهام في الأذان أي : هذا باب في بيان حكم الاستهام أي : الاقتراع في الأذان قال الخطابي : وإنما قيل له الاستهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء فمن خرج سهمه غلب ، والقرعة أصل من أصول الشريعة في حال من استوت دعواهم في الشيء لترجيح أحدهم ، وفيها تطييب القلوب . ويذكر أن أقواما اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد ويروى ( أن قوما ) قوله : ( الأذان ) أي في منصب التأذين يعني اختلافهم لم يكن في نفس الأذان وإنما كان في التأذين ، والأذان يأتي بمعنى التأذين وسعد هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة ، وكان ذلك عند فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنة خمس عشرة وكان سعد يومئذ أميرا على الناس وذكره البخاري هكذا معلقا ، وأخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أبي عبيد كلاهما ، عن هشيم ، عن عبد الله بن شبرمة قال : تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم وهذا منقطع وقد وصله سيف بن عمر في الفتوح والطبري من طريقه عنه ، عن عبد الله بن شبرمة ، عن شقيق وهو أبو وائل قال : افتتحنا القادسية صدر النهار فتراجعنا وقد أصيب المؤذن فذكره وزاد فخرجت القرعة لرجل منهم فأذن وقال الصغاني : القادسية قرية على طريق الحاج على مرحلة من الكوفة ، وقيل : مر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالقادسية فوجد هناك عجوزا فغسلت رأسه فقال : قدست من أرض فسميت القادسية ، وقيل : سميت بها لنزول أهل قادس بها وقادس قرية بمروالروذ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاستهام في الأذان · ص 124 12 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا . مطابقته للترجمة في قوله : ( لو يعلم الناس ما في النداء ) وهو الأذان . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة عبد الله التنيسي ومالك بن أنس وسمي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المدني قتله الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة وأبو صالح ذكوان الزيات . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الشهادات ، عن إسماعيل وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن يحيى بن يحيى وأخرجه الترمذي فيه ، عن إسحاق بن موسى ، عن معن بن عيسى وأخرجه النسائي فيه ، عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرقهما وعن الحارث بن مسكين ، عن عبد الرحمن بن القاسم سبعتهم ، عن مالك به . ( ذكر معناه ) قوله : ( لو يعلم الناس ) قال الطيبي وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم ، قوله : ( ما في النداء ) أي الأذان وهي رواية بشر بن عمر ، عن مالك عند السراج فإن قلت : ما الفرق بين النداء والأذان قلت : لفظة الأذان والتأذين أخص من لفظ النداء لغة وشرعا ، والفرق بين الأذان والتأذين أن التأذين يتناول جميع ما يصدر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية ، وأما الأذان فهو حقيقة تعقل بدون ذلك ، قوله : ( والصف الأول ) زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج ، عن أبي هريرة ( من الخير والبركة ) والتقدير لو يعلم الناس ما في الصف الأول ، وقال الطيبي : أطلق مفعول يعلم وهو كلمة ما ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربا من المبالغة ، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف ، قوله : ( ثم لا يجدون ) هذه رواية المستملي والحموي وفي رواية غيرهما ( لم يجدوا ) وقال الكرماني : وفي بعض الروايات ( لا يجدوا ) ثم قال : جوز بعضهم حذف النون بدون الناصب والجازم قال ابن مالك : حذف نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابت في اللغة في الكلام الفصيح نظمه ونثره ، قوله : ( إلا أن يستهموا عليه ) من الاستهام وهو الاقتراع يقال : استهموا فسهمهم فلان سهما إذا أقرعهم ، وقال صاحب العين : القرعة مثال الظلمة الاقتراع ، وقد اقترعوا وتقارعوا وقارعته فقرعته أي : أصابتني القرعة دونه ، وأقرعت بينهم إذا أمرتهم أن يقترعوا وقارعت بينهم أيضا والأول أصوب ذكره ابن التياني في الموعب وفي التهذيب لأبي منصور ، عن ابن الأعرابي القرع والسبق والندب الخطر الذي يستبق عليه ، وقال النووي : معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله ، وقال الطيبي : المعنى لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة ثم حاولوا الاستباق لوجب عليهم ذلك وأتى بثم المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم وقدم ذكر الأذان دلالة على تهيء المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة قوله : ( عليه ) أي : على كل واحد من الأذان والصف الأول ، وقد نازع ابن عبد البر والقرطبي في مرجع الضمير فقال ابن عبد البر : يرجع إلى الصف الأول لأنه أقرب المذكورين وقال القرطبي : يلزم منه أن يبقى النداء ضائعا لا فائدة له بل الضمير يعود على معنى الكلام المتقدم مثل قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا أي : جميع ما ذكر قلت : الصواب مع القرطبي ويؤيده ما رواه عبد الرزاق ، عن مالك بلفظ : ( لاستهموا عليهما ) فدل ذلك على صحة التقدير الذي قدرناه ، قوله : ( ما في التهجير ) أي : التبكير إلى الصلوات قاله الهروي ، وقال غيره : المراد التبكير بصلاة الظهر يعني الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت لأن التهجير مشتق من الهاجرة ، وهي شدة الحر نصف النهار ، وهو أول وقت الظهر قلت : الصواب مع الهروي لأن اللفظ مطلق وتخصيصه بالاشتقاق لا وجه له ، ثم المراد من التبكير إلى الصلوات التهيء والاستعداد لها ، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها ، وكيف وقد أمر الشارع بالإبراد في الظهر والإسفار في الفجر وأيضا الهاجرة تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر فإذا أبرد يصدق عليه أنه هجر على ما لا يخفى . قوله : ( لاستبقوا إليه ) أي إلى التهجير ، وقال ابن أبي حمزة المراد من الاستباق التبكير بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة قوله : ( ما في العتمة ) وهي صلاة العشاء يعني لو يعلمون ما في ثواب أدائها وأداء الصبح لأتوهما ولو حبوا أي ولو كانوا حابين من حبى الصبي إذا مشى على أربع قاله صاحب المجمل ، ويقال : إذا مشى على يديه أو ركبتيه أو استه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه فضيلة الأذان وقد ذكرنا فيما مضى من ذلك ، وفيه فضيلة الصف الأول لاستماع القرآن إذا جهر الإمام والتأمين عند فراغه من الفاتحة والتكبير عقيب تكبير الإمام ، وأيضا يحتمل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحدث فيكون هو خليفته فحصل له بذلك أجر عظيم أو يضبط صفة الصلاة ، وينقلها ويعلمها الناس وروى مسلم ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) وفي الأوسط للطبراني : ( استغفر عليه الصلاة والسلام للصف الأول ثلاث مرات وللثاني مرتين وللثالث مرة ) . وعن جابر بن سمرة من حديث مسلم ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصف الأول ) وعند ابن ماجه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : ( لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله إلى النار ) وعن عبد الرحمن بن عوف ( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ) وعند ابن حبان عن البراء بن عازب ( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ) وقال القرطبي : اختلف في الصف الأول هل هو الذي يلي الإمام أو المبكر ، والصحيح أنه الذي يلي الإمام فإن كان بين الإمام وبين الناس حائل كما أحدث الناس المقاصير فالصف الأول الذي على المقصورة وفي التوضيح : الصف الأول ما يلي الإمام ولو وقع فيه حائل خلافا لمالك وأبعد من قال إنه المبكر ولو جاء رجل ورأى الصف الأول مسدودا لا ينبغي له أن يزاحمهم وقد روي عن ابن عباس يرفعه ( من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلما أضعف الله له الأجر ) وفيه فضيلة التبكير إلى الصلاة ، وفيه حث عظيم على حضور صلاتي العتمة والصبح والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنقيص أول النوم وآخره . وفيه تسمية العشاء بالعتمة فإن قلت : قد ثبت النهي عنه قلت : هذه التسمية لبيان الجواز وأن النهي ليس للتحريم وأيضا استعمال العتمة هاهنا لمصلحة لأن العرب كانت تستعمل العشاء في المغرب فلو قال : ما في العشاء لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيها فقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما ، وفيه أن الصف الثاني أفضل من الثالث ، والثالث أفضل من الرابع وهلم جرا . وفيه دلالة لمشروعية القرعة ، وفيه ما استدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد وهذا ليس بظاهر لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد وزعم بعض من شرح الحديث المذكور أن المراد بالاستهام هاهنا الترامي بالسهام ، وأنه أخرج مخرج المبالغة واستأنس لذلك بحديث : ( لتجالدوا عليه بالسيوف ) قلت : الذي قصده البخاري وذهب إليه هو الأوجه والأولى ولذلك استشهد بقضية سعد رضي الله تعالى عنه .