6 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى ؟ 6715 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً ، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ فِي آيَةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةٌ بِخِلَافِ آيَةِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَمَلَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا حَمَلُوا الْمُطْلَقَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْلِهِ : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَخَالَفَ الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا : يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْكَافِرِ ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ بِأَنَّ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مُغَلَّظَةٌ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتُرِطَ التَّتَابُعُ فِي صِيَامِ الْقَتْلِ دُونَ الْيَمِينِ . قَوْلُهُ : وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى ؟ يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَفِيهِ : قُلْتُ : فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى مُوَافَقَةِ الْكُوفِيِّينَ ; لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الْفَضْلَ فِي عِتْقِ الْمُؤْمِنَةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَجَالِ النَّظَرِ ، فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِذَا وَجَبَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَانَ الْأَخْذُ بِالْأَفْضَلِ أَحْوَطَ ، وَإِلَّا كَانَ الْمُكَفِّرُ بِغَيْرِ الْمُؤْمِنَةِ عَلَى شَكٍّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ . قَالَ : وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا . ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً لِسَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، أَيِ : ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، الْمُلَقَّبِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ هُنَا أَيْضًا ، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ وَعَمِلَ بِهِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سَعِيدٍ ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَابِ زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ وَ حَتَّى هُنَا عَاطِفَةٌ لِوُجُودِ شَرَائِطِ الْعَطْفِ فِيهَا ، فَيَكُونُ فَرْجُهُ بِالنَّصْبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانُ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَاكَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ شَيْخِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَتَيْنِ ، فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدَ بْنَ مُطَرِّفٍ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ فِي كِتَابِهِ رَاوِيًا وَاحِدًا كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فِي الصِّيَامِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَعَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ فِي الْبُيُوعِ وَالْأَدَبِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ شَيْخِهِ فِيهِ ، هُوَ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ ، وَدَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ بِشِينٍ وَمُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ مِنْ طَبَقَةِ شُيُوخِهِ الْوُسْطَى ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقِ زَيْدٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَسَعِيدٍ ، وَالثَّلَاثَةُ مَدَنِيُّونَ وَزَيْدٌ ، وَعَلِيٌّ قَرِينَانِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى · ص 607 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وأي الرقاب أزكى · ص 220 باب قول الله تعالى أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وأي الرقاب أزكى ؟ أي هذا باب في ذكر قول الله تعالى أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ذكر هذا الجزء من الآية واقتصر عليه اعتمادا على المستنبط ، فإن تحرير الرقبة على نوعين : أحدهما في كفارة اليمين وهي مطلقة فيها ، والآخر في كفارة القتل وهي مقيدة بالإيمان . ومن هنا اختلف الفقهاء ، فذهب الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن المطلق يحمل على المقيد ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وابن المنذر إلى جواز تحرير الكافرة ، وبقية الكلام في هذا الباب في كتب الأصول والفروع . قوله : وأي الرقاب أزكى ؟ أي أفضل ، والأفضل فيها أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ، وقد مر في أوائل العتق عن أبي ذر رضي الله عنه ، وفيه : فقلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أغلاها ثمنا . وفيه إشارة إلى أن البخاري جنح إلى قول الحنفية لأن أفعل التفضيل يستدعى الاشتراك في أصل التفضيل ، فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون مراده من قوله : أزكى الإسلام ؟ وبه أشار الكرماني حيث قال : قوله : مسلمة إشارة إلى بيان أزكى الرقاب ، فلا تجوز الرقبة الكافرة . قلت : حديث أبي ذر يحكم عليه لأنه مطلق ، وقد فسر الأفضلية بغلاء الثمن والنفاسة عند أهلها . 8 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن أبي غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن علي بن حسين ، عن سعيد بن مرجانة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه . مطابقته للترجمة في قوله : رقبة ، ومحمد بن عبد الرحيم هو المعروف بصاعقة وهو من أفراده ، وداود بن رشيد مصغر الرشد بالراء والشين المعجمة وبالدال المهملة البغدادي ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين ، والوليد بن مسلم القرشي الأموي الدمشقي ، وأبو غسان بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون كنية محمد بن مطرف على صيغة اسم الفاعل من التطريف بالطاء المهملة ، وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أبو أسامة العدوي ، وعلي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم المشهور بزين العابدين ، وسعيد بن مرجانة بفتح الميم وسكون الراء وبالجيم والنون وهي اسم أمه ، وأما أبوه فهو عبد الله العامري . وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق واحد : زيد ، وعلي ، وسعيد . والثلاثة مدنيون . والحديث قد مضى في أوائل العتق من وجه آخر عن سعيد بن مرجانة ، ومضى الكلام فيه هناك . وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن داود بن رشيد شيخ شيخ البخاري ، وبينه وبين البخاري محمد بن عبد الرحيم صاعقة ، وليس لداود في كتاب البخاري غير هذا الحديث الواحد . قوله : حتى فرجه بالنصب ، قال الكرماني : ولم يبين وجهه . وقال بعضهم : حتى هاهنا عاطفة لوجود شرائط العطف فيها فيكون فرجه بالنصب ، قلت : هو أيضا ما بين شرائط العطف ما هي ، فأقول : حتى إذا كانت عاطفة تكون كالواو إلا أن بينهما فرقا من ثلاثة أوجه ، أحدها : أن المعطوف بحتى له ثلاثة شروط ، أحدها أن يكون ظاهرا لا مضمرا ، والثاني : إما أن يكون بعضا من جمع قبلها كقدم الحجاج حتى المشاة أو جزءا من كل ، نحو : أكلت السمكة حتى رأسها ، أو كجزء ، نحو : أعجبتني الجارية حتى حديثها ، ويمتنع أن يقال : حتى ولدها ، والثالث : أن يكون غاية لما قبلها إما بزيادة أو نقص . فالأول نحو : مات الناس حتى الأنبياء ، والثاني نحو : زارك الناس حتى الحجامون ، والشروط الثلاثة موجودة هنا ، أما الأول فهو قوله : رقبة فإنه ظاهر منصوب ، وأما الثاني فإن الفرج جزء مما قبله ، وأما الثالث فإن قوله : فرجه غاية لما قبلها بزيادة . واعلم أن أهل الكوفة ينكرون العطف بـ حتى البتة ، ولهم في هذا دلائل مذكورة في موضعها ، ووقوع العطف بـ حتى عند الجمهور أيضا قليل فافهم ، وبعض الشراح ذكر هنا كلاما لا يشفي العليل ولا يروي الغليل .